الفضاء والبشريّة عند مفترق طرق: حدود جديدة للخير العام
من المقرر في الأول من أبريل انطلاق مهمة "أرتيميس ٢" من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا. وهي المهمة الثانية ضمن برنامج ناسا للقمر، والأولى التي تحمل رواد فضاء على متنها. وتضم طاقماً من أربعة رواد فضاء سيحلقون خارج مدار الأرض للقيام بتحليق واسع حول القمر بدون الهبوط على سطحه. وتعد هذه الخطوة وسيطة نحو مهمة "أرتيميس ٣" التي تهدف إلى إعادة رواد الفضاء للسير على سطح القمر بعد ٥٣ عاماً من مهمة "أبولو ١٧" التي انتهت في ١٤ كانون الأول ديسمبر ١٩٧٢. لقد أصبح الفضاء موضوعاً لنقاشات متكررة بشكل متزايد داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث ارتفع عدد الأقمار الصناعية في المدار بشكل هائل في السنوات الأخيرة، مما يثبت أن الفضاء أصبح قضية ثابتة في المناقشات المتعلقة بالجيوسياسة، والأمن، والعلاقات الدولية.
ولبحث معنى وأهداف المهام الفضائية، أعدت ونشرت مؤسسة "المحبة في الحقيقة"، برئاسة رئيس الأساقفة إيتوري باليستريرو، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، مقطع فيديو يأتي استكمالاً لمنشور صدر في شباط فبراير الماضي بعنوان: "الفضاء الخارجي والبشريّة عند مفترق طرق: حدود جديدة للخير العام". ويستعرض الفيديو ويلخص التأملات حول أسباب استكشاف الكون -من خلال حوار بين العلم واللاهوت والقانون الدولي- وحول المبادئ التي يجب أن تنظم العلاقة معه وبين البشر أمام عمل الله هذا.
في جوابه على السؤال حول لماذا تُعدُّ اليوم التأملات في الاختيارات السياسية والتشريعية بشأن الفضاء أمراً ملحاً قال المطران إيتوري باليستريرو تعتني بعثة الكرسي الرسولي في جنيف ومؤسسة "المحبة في الحقيقة" التي تعمل بالتعاون معها بموضوع الفضاء، كونه من صنع الله ويخضع لسننه. للوصول إلى "السماء" كمفهوم إيماني فائق للطبيعة، يجب على الإنسان أن يحسن التصرف أيضاً في "الفضاء" كمفهوم جغرافي وفيزيائي وبيولوجي. الفضاء ليس أرضاً لا صاحب لها، وليس مجالاً للغزو بلا قوانين حيث يسود مبدأ "الأولوية لمن يصل أولاً". ومن هنا جاء عنوان المنشور "الفضاء والبشريّة عند مفترق طرق" ومحتوى الفيديو الذي أعددناه. إن البشرية تتخذ ب قرارات بشأن الفضاء، وهي قرارات أخلاقية سيكون لها أثر طويل المدى، ومن شأنها إما بناء البشرية أو تدميرها. لهذا السبب، لا يمكن للكنيسة إلا أن تهتم بهذا الأمر.
تابع المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف مجيبًا على السؤال حول كيف تهتمُّ الكنيسة بذلك وقال إن النظر إلى الفضاء من وجهة نظر أخلاقية يدفعنا للتساؤل: "هل من الصواب السعي وراء كل ما يمكننا تحقيقه تكنولوجياً؟ وكيف ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟ وما هو نوع الواقع والنظام الذي نريد أن نبنيه؟". إن المنظور الأخلاقي والمتعدد الأطراف هو ما وثقته مؤسسة "المحبة في الحقيقة" في وثيقتها وفي الفيديو الخاص بها.
أضاف المطران إيتوري باليستريرو مجيبًا على السؤال حول ما هي الإجراءات المطلوبة تحديداً وقال يجب أن يبقى الفضاء خيراً مشتركاً، بقواعد قانونية واضحة يتم تحديثها عند الضرورة بحسٍّ من المسؤولية تجاه البشرية جمعاء وتجاه الأجيال القادمة. عندما قدمنا المنشور في الأمم المتحدة بجنيف، تأثر الحضور كثيراً بشهادة رائد فضاء قضى قرابة عام على متن محطة الفضاء الدولية مايكل سكوت هوبكنز، حيث وصف ما يسمى بـ "تأثير النظرة العامة"، أو الـ " Overview Effect". وهو التغير في المنظور الذي يشعر به جميع رواد الفضاء وهم في الفضاء، حيث تظهر الأرض صغيرة، وهشة، بلا حدود أو تقسيمات، وتصبح رمزاً للانتماء المشترك والمسؤولية الجماعية. وهي صورة تتناقض للأسف مع واقع الحروب والانتهاكات وأعمال العنف التي تظهر عندما نعود للتركيز على الكوكب عن قرب. وقد ذكرنا بذلك البابا بندكتس السادس عشر بكلمات لا تزال آنية، عندما أجرى حواراً مع رواد محطة الفضاء الدولية، حيث قال لهم: "أعتقد أنه من الواضح لكم أننا نعيش جميعاً معاً على أرض واحدة، وأنه من العبث أن نتقاتل ونقتل بعضنا البعض".
تابع المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف مجيبًا على السؤال حول ما هي المساهمة المحددة التي يمكن أن تقدمها العقيدة الاجتماعية للكنيسة لتوجيه تطوير الفضاء نحو الخير العام وقال إنَّ الرسالة المركزية للكنيسة هي أننا لا يجب أن نحول الفضاء إلى غابة. فهو يقدم للبشرية نوعاً من "الفرصة الثانية"، ويدعونا لتجنب الكثير من الأخطاء التي ارتكبناها على الأرض. وبالتالي يجب استكشاف الفضاء بمسؤولية وتضامن وباحترام لمبدأ التكاملية من أجل خير الأجيال الحاضرة والمستقبلية. أما كيف يمكننا ذلك علينا أن نمنع أن يتحوّل الفضاء إلى مسرح للمنافسة الشرسة، أو والأسوأ من ذلك، للصراعات. الخطوة العملية الأولى التي يدعو الكرسي الرسولي إليها هي احترام "معاهدة الفضاء الخارجي" التي وقعت عليها نحو ١٢٠ دولة، بما في ذلك جميع الدول الكبرى ذات القدرات الفضائية. هذه المعاهدة سارية منذ حوالي ستين عاماً (١٩٦٧) وتنص بوضوح على أن استكشاف واستخدام الفضاء يجب أن يكون لصالح ومصلحة جميع البلدان. وتعرف المعاهدة الفضاء بأنه "مشاع مشترك للبشرية". وبالتالي يدعو الكرسي الرسولي إلى تعزيز التشريعات القائمة لا الابتعاد عنها، لضمان عدم تخلف أي دولة عن الركب، وللحفاظ على العناية بالخليقة، على سبيل المثال من خلال مشاريع مشتركة لإزالة الحطام الفضائي.
أضاف المطران إيتوري باليستريرو مجيبًا على السؤال حول إن كان هناك خطر من عسكرة الفضاء أيضاً وقال بالتأكيد. يحظر القانون الدولي الساري وضع أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل في المدار، أو على الأجرام السماوية، أو في الفضاء؛ وهذا نص المادة الرابعة من معاهدة ١٩٦٧. لكنه لا يحظر صراحة الأسلحة التقليدية أو، على سبيل المثال، الهجمات السيبرانية، ولا يحظر حجب إشارات الراديو، وهو أمر يحدث للأسف. وبالتالي من المهم التمييز بين استخدام الفضاء كدعم للعمليات العسكرية التي تجري على الأرض، مثل استخدام الأقمار الصناعية، وهو واقع قائم، وبين النشر المادي للأسلحة واستخدامها المباشر في الفضاء.
تابع المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف مجيبًا على السؤال حول إن كان هذا الاحتمال الأخير وارد فعلاً وقال تقترب بعض الدول من وضع أسلحة في المدار، وهذا كله يزيد من عدم الاستقرار الدولي، ويضعف الثقة المتبادلة، ويحول الفضاء من "مشاع للبشرية" كما تعرفه المعاهدة، إلى مسرح صراع إضافي. يجب أن ندرك -وهذا أمر جوهري- أنه إذا اندلع صراع يشمل الفضاء مباشرة، فمن المحتمل ألا ينجو منه أحد على الأرض. يقال هنا في جنيف إن الحرب في الفضاء لا يمكن الانتصار فيها أبداً، ولا ينبغي خوضها أبداً. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تصور كيفية احترام "مبدأ التمييز" الذي يعد أحد ركائز القانون الدولي الإنساني. لذا، هناك أصوات كثيرة، ومنها صوت الكرسي الرسولي، تطالب بتعزيز القواعد والشفافية والتعاون المتعدد الأطراف للحفاظ على الاستخدام السلمي للفضاء.
أضاف المطران إيتوري باليستريرو مجيبًا على السؤال حول كيف يمكن للمنافسة الفضائية أن تتحول إلى آلية إيجابية لصالح الجميع، وحول كيف يمكن للفضاء أن يكون في خدمة الكرامة البشريّة على الأرض وقال يجب موازنة المنافسة بالتعاون. إنَّ المنافسة بدون تعاون تؤدي إلى عدم الاستقرار، والصدامات غير العقلانية، والعنف، وحتى الصراعات. أما المنافسة الموجهة نحو أهداف سلمية والمؤطرة في أشكال من التعاون، فهي تحفِّز البحث العلمي، ولكن يجب أن تترجم إلى منافع مشتركة ومعايير موحدة وشراكات دولية. إنَّ التوازن بين المنافسة والتعاون يساعد في تجنب أن يكون الاستخدام التجاري للفضاء غاية في حد ذاته، وفي منع تفاقم التفاوتات القائمة. فالتوازن السليم يساعد الفضاء على خدمة الكرامة البشريّة والخير العام مباشرة، كما في أوقات الأزمات عبر اتصالات الطوارئ، أو توفير بيانات الأقمار الصناعية للمساعدات الإنسانية، أو مراقبة حماية دور العبادة. وفي ظروف أخرى، من خلال تحسين التنبؤات الجوية والزراعة والصحة والنقل، والوصول إلى البلدان والجماعات التي لولا ذلك لبقيت مُستبعَدة.
تابع المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف مجيبًا على السؤال حول كيف يمكن للعلم والإيمان أن يسيرا معاً في مجال أبحاث الفضاء وقال يمكن للعلم والإيمان أن يسيرا معاً ويعزز كل منهما الآخر؛ فبينما يبحث العلم عن الحقائق العلمية، يبحث الإيمان عن الحقيقة الفائقة، الحقيقة عن الله وحقيقة الله التي تنير مسيرة الإنسان. إنَّ الإيمان والعلم لا يختلطان ولا يتناقضان. فالعلم يشرح الـ "كيف"، والإيمان ينير ويوجِّه الهدف الأسمى للعمل البشري، وفي مجال الفضاء، يعني هذا استخدام الخبرة التقنية والعلمية من أجل الخير العام، ومنع تحول التقدم إلى هيمنة أو دمار.
وخلص إيتوري باليستريرو، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف مجيبًا على السؤال حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الكرسي الرسولي وقال يمكن للكرسي الرسولي، بل يجب عليه، أن يلعب دوراً في النقاشات الجارية حول الفضاء، ولا سيما الحكومية منها. يجب عليه أن ينير الضمائر ويتحدث إلى العالم أجمع، بما في ذلك القطاعات التجارية والصناعية. على المستوى الدولي، ومن خلال بعثاتنا في جنيف ونيويورك وفيينا، نقترح إطاراً أخلاقياً يرتكز على الكرامة البشريّة ونساهم في الحوار المتعدد الأطراف والسلام، مذكرين بالمسؤولية المشتركة تجاه الفضاء كخير عام. كذلك، تقوم مؤسسة "المحبة في الحقيقة" بتنظيم فعاليات في جنيف وبروكسل وفيينا ونيويورك، وتصدر منشورات وفيديوهات مثل التي نشرناها مؤخراً. ولا ننسى أن الكرسي الرسولي يمتلك أحد أقدم المراصد الفلكية الموجودة، وهو "المرصد الفاتيكاني" (Specola Vaticana)، الذي أسسه البابا لاوُن الثالث عشر بشكله الحالي عام ١٨٩١، ليؤكد أن الكنيسة -كما جاء في "الإرادة الرسولية" التي أنشأت المرصد- لا تعارض العلم الحقيقي والرصين، بل تشجعه وتعززه بكل جهد والتزام ممكن.