مولر: راتزينغر "معاون للحقيقة"، ولاهوته عطيّة للكنيسة
"معاون للحقيقة" (Cooperator veritatis)؛ هكذا وصف جوزيف راتزينغر نفسه، الخليفة الرابع والستون بعد المائتين للقديس بطرس، الذي اختتم مسيرته الأرضية في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ٢٠٢٢ عن عمر ناهز الخامسة والتسعين. وقد اتذكر الكاردينال مولر، عميد مجمع عقيدة الإيمان السابق، هذه السيرة العطرة خلال القداس الذي ترأسه مساء الثلاثين من ديسمبر في بازيليك القديس بطرس، معتبراً أن راتزينغر "ليس شخصاً من الماضي، بل هو عضو في جسد المسيح الحي، الذي هو واحد في السماء والأرض".
استعرض الكاردينال مولر في عظته، التي ألقاها باللغة الإنجليزية، محطات حياة البابا الألماني؛ فمن أستاذ للاهوت وواعظ "وضع نفسه دوماً في خدمة الكلمة"، إلى عميد لمجمع عقيدة الإيمان اتسم بـ "دقة فكرية وتفانٍ منقطع النظير"، وصولاً إلى اعتلائه كرسي بطرس كواحد من "أعظم اللاهوتيين" في التاريخ المعاصر. ولفت الكاردينال مولر إلى أن قيمة راتزينغر الفكرية دفعت حتى "يورغن هابرماس" —أبرز ممثلي مدرسة فرانكفورت الماركسية الجديدة ورمز الحداثة العلمانية— إلى السعي للحوار معه، إيماناً منه بأن "المؤمنين وغير المؤمنين يمكنهم التعاون لإنقاذ العالم الحديث من الموت البارد الذي تفرضه النزعات المعادية للإنسانية وما بعد الإنسانية".
ويرى الكاردينال مولر أن لاهوت راتزينغر هو "عطية للكنيسة بأسرها" وللأجيال القادمة. فمؤلفاته الكاملة، التي تضم ستة عشر مجلداً ونحو ٢٥ ألف صفحة، تعد مورداً لا ينضب لكل باحث عن العمق الروحي أو الفلسفي أو الثقافي. وأضاف: "لو سألني مسيحيٌّ ينشد الاستنارة أو يعاني من اضطراب في اليقين عما يجب عليه قراءته، لنصحته بمجلدات "يسوع الناصري" الثلاثة"، مشيراً إلى أن راتزينغر نشرها باسمه الشخصي ليميز بين سلطته العلمية كلاهوتي وسلطته التعليمية كبابا.
وفي معرض حديثه عن "الصراع بين الإيمان والعقل" الذي أذكته حركة التنوير، أوضح مولر أنه رغم ما يبدو من تناقض أحياناً بين البحث البيبلي التاريخي والعلوم التجريبية، إلا أن "الإيمان لا يحتاج إلى تزكية من استنتاجات العلم التجريبي القابلة للخطأ دوماً"، فهو يتأسس على كلمة الله التي أوجدت كل شيء. وأكد أن "يسوع، الإله الحق والإنسان الحق، هو الحقيقة ذاتها في شخصه الإلهي".
ختاماً، شدد الكاردينال مولر على رؤية راتزينغر الجوهرية بأن "المسيحية، رغم كل إنجازاتها الثقافية والاجتماعية والفلسفية، ليست مجرد نظرية أو رؤية للعالم، بل هي لقاءٌ مع شخص"، وهو يسوع المسيح، "النور الذي ينير كل إنسان". وأكد أن الكنيسة ليست منظمة بشرية ببرنامج اجتماعي طموح، بل هي جماعة تلاميذ المسيح الذين يشهدون للعالم بأنهم عاينوا مجده، "مجداً كما لوحيدٍ من الآب، مملوءاً نعمةً وحقاً". ومن بين هؤلاء التلاميذ المخلصين يبرز جوزيف راتزينغر؛ اللاهوتي، والأسقف، والكاردينال، والبابا.