البابا يحتفل بالقداس الإلهي مختتمًا زيارته الراعوية إلى سان مارينو وريميني
في ختام زيارته الراعوية إلى سان مارينو وريميني ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر القداس الإلهي عند الساعة السادسة والنصف مساء في مرفأ ريميني وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها يسعدني جداً أن أترأس هذا الاحتفال الإفخارستي معكم ومن أجلكم، يا كنيسة ريميني. وأقوم بذلك في ختام يوم حافل، زرت خلاله جمهورية سان مارينو و"ملتقى الصداقة بين الشعوب". والآن، بينما ندخل في يوم الرب، أنها اللحظة لنحتفل بالسر الذي يعطي معنى لكل شيء، وهو قمة ونبع كل عمل راعوي لنا.
تابع الأب الأقدس يقول في الإنجيل الذي سمعناه، يسأل يسوع تلاميذَه: "ومن أنا في قولِكم أنتم؟". فيجيب بطرس، باسم الجميع: "أَنتَ المَسِيح ابنُ اللهِ الحَيِّ!". ونحن أيضاً، بعد ألفي عام، مدعوون لتجديد إعلان الإيمان نفسه: نحن هنا لأننا نؤمن بأن يسوع هو المسيح، ابن الآب الأزلي، المكرس والمرسل إلى العالم "ليخدُم ويفدي بنفسه جماعة الناس". نعم، أيها الأعزاء، في كلمات بطرس ندرك الحقيقة التي تملأنا فرحاً ورجاءً، ونجد الطريق الذي يؤدي إلى الحياة: طريق الله الذي يضع نفسه في خدمة الإنسان، والمعلم الذي ينحني ليغسل أقدام التلاميذ، والراعي الذي يضحي بنفسه من أجل رعيته. وفي هذا الضوء ننظر إلى تصرف يسوع عندما سلم المفاتيح لبطرس، لأن السلطة في الكنيسة، وعلى جميع المستويات، هي خدمة.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن البابا والأساقفة والكهنة والشمامسة مدعوون قبل غيرهم لعيشها بهذه الطريقة، وإليهم يجب أن ينضم شعب الله بأكمله، كل واحد بحسب دعوته الخاصة. وقد شهد لذلك بشكل رائع بينكم خادم الله الأب أوريستي بينزي، الذي كان يقول: "إن دعوتنا تتلخص [...] في أن نسمح لأنفسنا بأن نتشبه بالمسيح الفقير، وبالمسيح الخادم، وبالمسيح الذي يكفر عن خطيئة العالم، وبالمسيح الإنسان والإله المتجسد الذي يعيش بيننا في شكل من المشاركة المباشرة انطلاقاً من الأخيرين". إن رسالة "الربط" و"الحل"، في الكنيسة، في الواقع، إذا كانت من جهة تتعلق بدور الذين، باسم الرب، هم مدعوون لممارسة السلطة، فهي من جهة أخرى تصف أسلوباً ومهمة تشمل كل معمد: وهي معانقة، ولم شمل، واستقبال، وتحرير، ومغفرة، وإعتاق كل من هو أسير للخطيئة وعواقبها، جاعلين من أنفسنا وكلاء صالحين وحكماء على الخيور التي يأتمننا الله عليها، لكي يتضافر كل شيء، في المحبة، من أجل خير الجميع.
تابع الأب الأقدس يقول في القراءة الأولى، تحدث إلينا النبي أشعيا عن شَبنَا، وهو مسؤول ائتمنه الملك حزقيا على مشروع كبير للتجديد الديني والأخلاقي والاجتماعي في أورشليم ومملكة يهوذا. ولكن بسبب الطموح والجشع، بدأ هذا الرجل القوي يسيء استخدام السلطة الممنوحة له، فجمع الثروات لنفسه ولمحيطه من الأصدقاء والأقارب وتسلط على الناس. لقد نسي أن الشيء الأكثر أهمية في المغامرة التي أشركه فيها سيده لم يكن الوسائل الاقتصادية والسلطة، بل فرصة النهوض بالخير العام للمجتمع بأكمله من خلالها. ولهذا السبب عُزل وأُوكلت مهمته إلى ألياقيم، رجل نزيه وحر من القيود، راسخ في استقامته كوتد مغروس في مكان أمين، بحسب كلمات النبي. إن الرسالة واضحة: كل ما نحن عليه وما نملكه هو عطية من الله، ائتُمنا عليه لكي نكون بين يديه، بعضنا لبعض، أدوات خلاص في الحق والعدل، وانطلاقاً من الأماكن والأشخاص الذين نعيش ونعمل معهم كل يوم، لنلتفت بقلب كبير ومفتوح إلى العالم أجمع.
أضاف الحبر الأعظم يقول يحدثنا القديس بولس، في القراءة الثانية، عن مقاصد الله ويقول إنها لا تُسبر: ليس لتعقيد أفكاره، بل لعظمة محبته التي تفوق كل قدراتنا وتوقعاتنا، إذ يقول الرسول: "كل شيء منه وبه وإليه". فالله بسيط لأنه محبة خالصة، ويدعونا نحن أيضاً لنحب بقلب يشبه قلبه، ونجعل طرقنا تتوافق مع طرقه وأفكارنا مع أفكاره. إن قيم النزاهة والمجانية والعطف هذه هي معروفة بكونها عزيزة على أهل إقليم رومانيا، الصريحين وذوي الطباع المرحة، والجدّيين والمتضامنين. وتشهد على ذلك الأمثلة الكثيرة للقديسين والطوباويين الذين ولدوا هنا، ومارسوا المحبة وعاشوا الإنجيل، حتى الاستشهاد في بعض الأحيان. ويؤكد ذلك أيضاً الالتزام الذي لا يزال ينبض في مختلف الهيئات الكنسية، في الرعايا، وفي العائلات، وفي العمل الكاثوليكي، وفي مختلف الحركات والجمعيات، وفي أعمال المساعدة والتنشئة المسيحية. وبالتأكيد، وبسبب هذا الغنى أيضاً، بالإضافة إلى الجمال الطبيعي والفني للساحل الأدرياتيكي والداخل، يأتي الكثير من الأشخاص، من أجزاء كثيرة من إيطاليا والعالم، إلى هنا كل عام لقضاء عطلاتهم. وفي هذا الصدد، أود أن أشجعكم على الاستمرار في الالتزام الذي تسعون من خلاله إلى جعل هذا الإقليم مضيافاً، ليس فقط للراحة والترفيه، بل للروح أيضاً. إن القديس يوحنا بولس الثاني، في زيارته إلى هنا منذ سنوات طويلة، إذ تحدّث عن هذه الدعوة، أكد أن "الاستراحة لا تعني أن ينفصل المرء عن نفسه. بل بالحري -كما قال- الاستراحة تعني أن يلتقي المرء بذاته ويتصالح مع أعماقه".
تابع الأب الأقدس يقول إن العالم الذي نعيش فيه يقدم أشكالاً عديدة من التسلية، لكن بعضها يؤدي إلى التشتت والخراب بدلاً من "العودة إلى الذات" الحقيقية، ويترك فراغاً في القلب. هناك من يسميها "هروباً"، وكأن الحياة العادية هي سجن يجب الفرار منه. لكننا نعلم أن المكان الحقيقي الذي نجد فيه الراحة، ونلتقي فيه بالله لنلتقي حقًّا ببعضنا البعض، ليس في الخارج، وسط الفوضى، بل داخلنا، في أعماق الروح. وكجماعة مسيحية، نحن مدعوون بطريقة خاصة إلى تنمية هذه الخبرة ونقلها، في الانفتاح والضيافة الشخصية وعلى مستوى الهيكليات، وفي العناية والخشوع داخل الكنائس، وفي الاستعداد للمساعدة والمحبة. وهذا سواء تجاه من يبحث عن وقت استراحة مستحق بعد سنة من العمل، أو تجاه من يطلب وهو مجروح في الجسد والروح الملجأ والطعام والمساعدة بعيداً عن أرضه.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لقد كتب أسقفكم في رسالة إلى الأبرشية: "إن الصلاة، والوحدة، والإصغاء، والشجاعة، والبساطة، والامتنان، والجمال [...] تود أن تشير إلى مواقف حاضرة دائماً في كل تفصيل من تفاصيل الحياة". أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، بينما أعيد تقديم هذه الدعوة الهامة لكم جميعاً، لتأملكم والتزامكم، أشكركم مرة أخرى على حسن استقبالكم ومشاركتكم المليئة بالإيمان والفرح، وأكلكم إلى شفاعة مريم الكلية القداسة، والقديس غاودينسيوس، وقدِّيسيكم الشفعاء.
