البابوات ونشأة الجمهورية الإيطالية البابوات ونشأة الجمهورية الإيطالية  (ANSA)

البابوات ونشأة الجمهورية الإيطالية

تحتفل إيطاليا يوم هذا الثلاثاء كما في الثاني من حزيران يونيو من كل عام بعيد الجمهورية إحياء لذكرى الاستفتاء الشعبي بشأن الإصلاح الدستوري الذي جرى في مثل هذا اليوم من العام ١٩٤٦ ووُلدت على أثره الجمهورية عندما اختار الشعب الإيطالي الانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري بعد سنوات من الفاشية والحرب العالمية الثانية.

في هذا السياق لا بد من تسليط الضوء على موقف الكنيسة الكاثوليكية خلال تلك المرحلة التاريخية، خاصة من خلال مواقف البابا بيوس الثاني عشر. ففي ١٢ أيار مايو ١٩٤٦ وقبل أسابيع من الاستفتاء، التقى البابا بعشرات الآلاف من الشابات المنتميات إلى العمل الكاثوليكي، مشدداً على أهمية المشاركة السياسية والمسؤولية الأخلاقية المرتبطة بحق التصويت. وقد دعا النساء إلى استخدام أصواتهن بصورة واعية واختيار المرشحين الذين يحترمون القيم الدينية والأخلاقية، معتبراً أن التصويت واجب أخلاقي وديني يتعلق بمستقبل الوطن والحفاظ على هويته المسيحية.

في ٢ من حزيران يونيو ١٩٥١ زار البابا باتشيلي قصر بوروميو، مقر السفارة الإيطالية لدى الكرسي الرسولي، في خطوة عُدت رمزاً لأهمية العلاقات بين الدولة الإيطالية والكنيسة. وقد استعاد البابا بندكتس السادس عشر هذه الزيارة خلال لقائه بالسلك الدبلوماسي عام ٢٠٠٨، مؤكداً الدور المهم الذي تؤديه السفارة الإيطالية في تعزيز التعاون والحوار بين الجانبين.

في الثالث من حزيران يونيو ١٩٦٣ وافت المنية البابا يوحنا الثالث والعشرين، بعد أن كانت حالته الصحية الحرجة قد دفعت رئيس الجمهورية الإيطالية آنذاك إلى تأجيل الاحتفالات الرسمية بعيد الجمهورية، وقد شكّل رحيل البابا حدثاً مؤثراً في إيطاليا والعالم الكاثوليكي، لما كان يتمتع به من شعبية واسعة ومكانة روحية كبيرة.

وفي عام ١٩٦٥ برز لقاء هام جمع البابا بولس السادس ورئيس الجمهورية الإيطالية، وخلال هذا اللقاء، عبّر البابا مونتيني عن أمله في أن تواصل إيطاليا تقدمها ووحدتها، مستلهمة من تراثها الديني والثقافي العريق. كما شدد على أهمية الدفاع عن القيم الأسرية والأخلاقية والروحية، والعمل من أجل تحقيق الرفاهية والعدالة الاجتماعية للمواطنين.

في الثاني من حزيران يونيو ١٩٨٤ قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة إلى قصر كويرينالي، مقر رئاسة الجمهورية الإيطالية. جاءت هذه الزيارة بعد أشهر قليلة من تعديل اتفاقية اللاتران التي تنظم العلاقات بين الدولة الإيطالية والكرسي الرسولي. وقد اعتبر الرئيس الإيطالي ساندرو بيرتيني الزيارة دليلاً على اهتمام البابا الخاص بإيطاليا، وعلى عمق الروابط التاريخية بين الأمة الإيطالية والكنيسة الكاثوليكية.

في خطابه خلال الزيارة استحضر يوحنا بولس الثاني المبادئ الأساسية التي قام عليها الدستور الإيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها حماية حقوق الإنسان، والمساواة بين المواطنين، والتضامن الاجتماعي، ورفض الحرب، وتعزيز التعاون الدولي. وأكد أن هذه المبادئ أصبحت جزءاً من الهوية الديمقراطية الإيطالية، لكنها وُلدت من معاناة طويلة عاشها الشعب خلال سنوات الحرب والدمار.

كما أشار البابا البولندي إلى أن التجارب الأليمة التي مرت بها إيطاليا ساهمت في ترسيخ قيم التضامن والأخوّة بين المواطنين. فقد دفعت المعاناة المشتركة الإيطاليين إلى مساعدة بعضهم بعضاً وإعادة اكتشاف القيم الإنسانية والأخلاقية العميقة التي شكلت أساس إعادة بناء المجتمع بعد الحرب. ورأى أن هذه الخبرة التاريخية تمثل مصدر إلهام للأجيال اللاحقة وتشجع على مواجهة تحديات المستقبل بروح الوحدة والمسؤولية.

كما كان البابا يوحنا بولس الثاني قد وجّه رسالة إلى الشعب الإيطالي في تلك المناسبة، حيث أعرب عن أمله في أن تظل إيطاليا وفية للمبادئ الأخلاقية والإنسانية التي تميز تاريخها، وأن تواصل الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية والعدالة والسلام. كما دعا فويتيوا إلى أن تبقى البلاد نموذجاً إيجابياً في أوروبا والعالم، مستندة إلى تراثها الحضاري والروحي وإلى القيم التي ألهمت أفضل أبنائها عبر التاريخ. لذا ثم رباط قائم بين ذكرى تأسيس الجمهورية الإيطالية ومسيرة طويلة من التعاون والحوار بين الدولة والكنيسة، في إطار السعي المشترك لخدمة المجتمع وتعزيز القيم الإنسانية.

02 يونيو 2026, 12:58