البابا خلال المقابلة العامة مع المومنين يواصل تعليمه حول الدستور المجمعي في الليتورجيا المقدسة "المَجمع المقدس"
أجرى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم الأربعاء ٢٤ حزيران يونيو مقابلته العامة مع المؤمنين، وذلك في ساحة القديس بطرس، وواصل تعليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني وتحديدا حول الدستور في الليتورجيا المقدسة "المَجمع المقدس" (Sacrosanctum Concilium). وبدأ الأب الأقدس مشيرا إلى أن القديس أغطسينوس حين أراد أن يشرح للمعمَّدين الجدد سر جسد المسيح عاد إلى الكلمات التي سمعناها للتوّ من رسالة القديس بولس الأول إلى أهل قورنتس: " فأَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه" (٢٧). وأكمل البابا حديثه عن القديس أغسطينوس فقال إنه قد أضاف أن هذا هو السر الذي تناولتموه والذي تجيبون عليه بقول آمين، وإجابتكم هي كما توقيعكم، حيث يقال لكم جسد المسيح وأنتم تجيبون آمين، كونوا إذًا أعضاء في جسد المسيح كي يكون "آمين" الذي نطقتم به صادقا، فأنتم ما ترون، وتنالون ما أنتم عليه.
ثم عاد البابا لاوُن الرابع عشر إلى الدستور في الليتورجيا المقدسة "المَجمع المقدس" مذكرا بأن هذه الوثيقة، وبعد الإشارة إلى عشاء يسوع الأخير تتحدث عن الإفخارستيا بأفكار القديس أغسطينوس هذه. فالمشاركة في مائدة الرب تعني بالنسبة للمسيحيين حسبما جاء في الدستور أنهم يتفقهون بكلام الله، ويتقوون بالغذاء إلى مائدة جسد الرب، ويؤدون الشكر لله (راجع ٤٨). وتابع الأب الأقدس أننا بتناولنا الله في كلمته وفي القربان نصبح ما نتلقى، نصبح الجسد الذي رأسه المسيح القائم الذي جلس عن يمين أبيه والذي يُعد لنا مقاما في السموات (راجع قولسي 1، 18). وهكذا فإن الإفخارستيا هي سر الملكوت الذي يأتي، إنها خبز الطريق الذي يقودنا إلى الوطن السماوي حتى اليوم الذي سيكون فيه الله كل شيء في كل شيء (راجع ١قور ١٥، ٢٨).
وواصل قداسة البابا تعليمه مذكرا بما جاء في الوثيقة المجمعية حول أن الذبيحة الطاهرة لا تُقدَّم خلال الإفخارستيا بيد الكاهن منفردا (٤٨). وأضاف الأب الأقدس أن الإفخارستيا هي من هذا المنظور شكل الذبيحة الروحية للمسيحيين باعتبارها طريق الاتحاد مع الله والوحدة المتبادلة، فبالمشاركة فيها يتعلمون أَن يقدموا ذواتهم مع المسيح ذبيحة روحية، فيزدادون اتحادا بالله وبعضهم ببعض. وبتوحيدنا بالمسيح تُعَلمنا الإفخارستيا أن نتبنى أسلوب حياة الرب يسوع ذاته الذي تطبعه هبة الذات المجانية، قال البابا لاوُن الرابع عشر وأضاف أن هذه الهبة تجعلنا ندخل في دينامية الوحدة التي توفر ترياقا قويا ضد الانقسام الذي يهدد عالمنا وجماعاتنا، عائلاتنا وقلبنا (راجع الدستور في الليتورجيا المقدسة ٤٧).
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر قائلا إننا حين نشارك في الإفخارستيا نكون مدعوين إلى الإصغاء إلى كلمة الله والتغذي من مائدة الرب حيث يقدم هو ذاته للآب. وتابع قداسته أن ليتورجيا الكلمة وليتورجيا الإفخارستيا كجزء من القداس يرتبطان فيما بينهما ارتباطا وثيقا، حيث يؤلفان عمل عبادة واحدا، وذلك حسبما جاء في الوثيقة المجمعية.
وفيما يتعلق بالكلمة، قال قداسة البابا، فمن الضروري التذكير بأن الأمر لا يتعلق فقط بكسب معرفة فكرية بالكتاب المقدس، بل بتلقي كلام حي وناجع حسبما ذكر القديس بولس، كلمات يوجهها الله إلى الجميع وفي الوقت ذاته إلى كل فرد، إنه كلام يغذي، إلى جانب خبز القربان، ويجعلنا ننتقل من انحطاط الخطيئة إلى الحياة الجديدة في المسيح. واستعار قداسة البابا هنا كلمات البابا بندكتس السادس عشر في الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس "كلمة الله" التي أشار فيها إلى أن الإفخارستيا تفتحنا على فكر الكتاب المقدس مثلما ينير الكتاب المقدس ويوضح بدوره سر الإفخارستيا.
تحدث البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك عن أن المجمع الفاتيكاني الثاني قد طلب فتح كنوز الكتاب المقدس على مدى أوسع من أجل وفير الغذاء المقدَّم للمؤمنين على مائدة كلمة الله (المجمع المقدس ٥١). وتابع الأب الأقدس أن الإصلاح الليتورجي قد ترجم هذا الطلب في الكنز الذي هو كتاب القراءات الذي يجمع كل القراءات من الكتاب المقدس في الاحتفالات الليتورجية. وقد استقى هذا الاتساع من المصدر الأكثر نقاءً للتقليد الحي، وذلك للجمع بين الأمانة للتقليد والانفتاح على تطور شرعي (راجع المجمع المقدس ٢٣).
ثم توقف البابا لاوُن الرابع عشر عند بداية الفصل الثاني من الدستور حول الليتورجيا المقدسة، والذي يمتلئ بإشارات إلى نهر التقاليد الكبير الذي يمتد من آباء الكنيسة وصولا إلينا. وذكَّر الأب الأقدس بما جاء في هذا الجزء من الوثيقة: "إنّ مخلّصنا وضع، في العشاء الأخير، ليلة أسلم، ذبيحة جسده ودمه الإفخارستيّة لكي تستمر بها ذبيحة الصليب على مرّ الأجيال، إلى أن يجيء، ولكي يودِع الكنيسة، عروسه الحبيبة، ذكرى موته وقيامته: سرّ تقوى، وعلامة وحدة، ورباط محبّة، ووليمةً فصحيةً يُتناول فيها المسيح، وتمتلئ فيها النفس بالنعمة، ونعطى عربون المجد الآتي" (٤٧).
ثم ختم قداسة البابا تعليمه خلال المقابلة العامة مع المؤمنين داعيا إلى أن نستقي نحن أيضا من نبع الحياة الإلهية هذا، وإلى أن ندع السر الذي نحتفل به يحولنا.
