بحث

البابا: لا تجعلوا المدينة "بطاقة بريدية" بل ورشة عمل لبناء السلام والعدالة! البابا: لا تجعلوا المدينة "بطاقة بريدية" بل ورشة عمل لبناء السلام والعدالة!  (@Vatican Media)

البابا: لا تجعلوا المدينة "بطاقة بريدية" بل ورشة عمل لبناء السلام والعدالة!

"أيها الإخوة والأخوات، نابولي بحاجة إلى هذه الوثبة، إلى طاقة الخير الكاسحة، وإلى الشجاعة الإنجيلية التي تجعلنا قادرين على تجديد كل شيء. ليكن هذا التزام الجميع: تبنَّوه وامضوا به قدماً جميعاً معاً!" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى سكان نابولي

بعد لقائه مع الإكليروس، انتقل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر إلى ساحة بليبيشيتو التاريخية، ليلتقي بآلاف المواطنين وأبناء مدينة نابولي، في تظاهرة إيمانية تجسد تلاحم الكنيسة مع قضايا المجتمع والناس. ووسط أجواء من الحماس والبهجة، اتخذ الحبر الأعظم مكانه على درجات البازيليك المطلة على الساحة الفسيحة التي غصت بالمؤمنين. استُهل اللقاء بكلمة ترحيبية من صاحب الغبطة الكاردينال دومينيكو باتاليا، رئيس أساقفة نابولي، تبعتها كلمة للدكتور غايتانو مانفريدي، عمدة المدينة، الذي رحب بالبابا باسم جميع المواطنين. ثمَّ تخلل اللقاء فقرات تنشيطية قدمها شباب راعوية الشباب في الأبرشية، الذين عبّروا عبر الأناشيد والشهادات عن تطلعاتهم لمستقبل نابولي. ثم وجه الأب الأقدس كلمته إلى المواطنين، والتي رسم من خلالها ملامح "ميثاق تربوي واجتماعي" جديد للمدينة.

قال الأب الأقدس أيها الإخوة والأخوات، شكراً لكم على استقبالكم الحار! أشكر السيد العمدة على الكلمات التي وجهها إليّ، وأحيي جميع السلطات المدنية والعسكرية الحاضرة، كما أجدد امتناني لرئيس الأساقفة ولجميع المحتشدين هنا.

تابع الأب الأقدس يقول على خلفية المشهد الإنجيلي لتلميذي عماوس، تداولت أصواتٌ مهدت للقائنا هذا. إنها أصوات نابولي، لؤلؤة المتوسط التي يرقبها بركان الفيزوفيو من عَلُ؛ أصواتٌ يتردد فيها صدى الجمال العريق لهذه المدينة التي يغمرها البحر وتلفحها الشمس، ولكنها أيضاً أصواتٌ تجد فيها الجراح والفقر والمخاوف مكاناً لها. تخبرنا هذه الأصوات عن نابولي التي غالباً ما تسير متعبة، تائهة وخائبة الأمل كحال تلميذي الإنجيل، وهي بحاجة إلى ذلك القرب الذي قدمه يسوع لهما؛ أصوات شعبٍ لا يزال يشعر، اليوم أيضًا، بالحاجة إلى التوقف ليتساءل: ما الذي يهم حقاً؟

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الإخوة والأخوات، يتدفق في هذه المدينة توقٌ إلى الحياة والعدالة والخير، توقٌ لا يمكن أن يقهره الشر أو الإحباط أو الاستسلام. لهذا السبب، من الضروري أن نسأل أنفسنا – لا بمفردنا، بل معاً –: ما الذي يهم حقاً؟ ما هو الضروري والهام لاستئناف المسيرة باندفاع الالتزام بدلاً من تعب اللامبالاة، وبشجاعة الخير بدلاً من الخوف من الشر، وبالعناية بالجراح بدلاً من عدم الاكتراث؟

تابع الأب الأقدس يقول تعيش نابولي اليوم مفارقة مأساويّة: فبينما تشهد نمواً ملحوظاً في أعداد السياح، تكافح لتوجد حراكاً اقتصادياً قادراً على إشراك الجماعة الاجتماعية بأكملها بشكل فعلي. لا تزال المدينة مطبوعة بفجوة اجتماعية لم تعد تفصل المركز عن الضواحي فحسب، بل باتت واضحة حتى داخل كل منطقة، مع وجود ضواحي وجودية متغلغلة حتى في قلب المركز التاريخي. وفي مناطق عديدة، نلمح جغرافيا حقيقية لعدم المساواة والفقر، تغذيها مشاكل لم تُحل منذ زمن: التفاوت في الدخل، قلة فرص العمل، نقص الهيكليات والخدمات المناسبة، التأثير المتغلغل للجريمة، مأساة البطالة، التسرب المدرسي، وغيرها من الأوضاع التي تثقل كاهل الكثيرين. وأمام هذه الواقائع، التي تتخذ أحياناً أبعاداً مقلقة، يصبح حضور الدولة وعملها ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، لإعطاء الأمان والثقة للمواطنين وتضييق الخناق على الجريمة المنظمة.

أضاف الحبر الأعظم يقول في هذا السياق، هناك الكثير من أبناء نابولي الذين ينمون الرغبة في رؤية مدينتهم متحررة من الشر ومتعافية من جراحها. وغالباً ما يتعلق الأمر بـ "أبطال اجتماعيين" حقيقيين، نساء ورجال يبذلون أنفسهم يومياً بتفانٍ، وأحياناً بمجرد القيام بواجبهم بأمانة وصمت، لكي تجد العدالة والحقيقة والجمال طريقها في الشوارع والمؤسسات والعلاقات. لا يجب أن يبقى هؤلاء الأشخاص معزولين، ولكي يتغلغل التزامهم في نسيج المدينة العميق، نحن بحاجة إلى بناء ترابط، والعمل كشبكة، وتكوين جماعة.

تابع الأب الأقدس يقول يسعدني أن أقول إن الكنيسة في نابولي تمثل "الرابط" الذي يساهم بشكل كبير في عمل الشبكة هذا، لتوحيد جهود الأفراد وربط الطاقات والمواهب والتطلعات. وقد فعلت ذلك من خلال تعزيز ميثاق تربوي وجد استجابة سخية من المؤسسات – البلدية والإقليم والحكومة – وأيضاً في العديد من الفعاليات الكنسية ومنظمات القطاع الثالث. لذا، أود أن أوجه نداءً إليكم جميعاً: لا تسمحوا لهذه الشبكة التي توحدكم أن تنقطع، ولا تطفئوا هذا النور الذي بدأتم بإشعاله في الظلمة، ولا يفقدنَّ هذا الحلم الذي تحققونه من أجل نابولي أفضل وأجمل ألوانه! استمروا في المضي قدماً بهذا الميثاق، واجمعوا القوى، واعملوا معاً، وسيروا متحدين – مؤسساتٍ وكنيسةً ومجتمعاً مدنياً – للنهوض بالمدينة، وحماية أبنائكم من غوائل الضياع والشر، ولإعادة "نابولي" إلى دعوتها كعاصمة للإنسانية والرجاء.

أضاف الحبر الأعظم يقول كما أود أن أذكّر بالمسيرة التي انتهجتها هذه المدينة لإعادة اكتشاف دعوتها الألفية: أن تكون جسراً طبيعياً بين ضفتي المتوسط. لا يجب أن تبقى نابولي مجرد "بطاقة بريدية" للزائرين، بل يجب أن تصبح ورشة عمل مفتوحة، حيث يُبنى سلام ملموس، يمكن التحقق منه في الحياة اليومية للأشخاص. إنَّ السلام يبدأ من قلب الإنسان، ويمر عبر العلاقات، ويتجذر في الأحياء والضواحي، ويتسع ليعانق المدينة بأكملها والعالم. لهذا السبب، نشعر بضرورة العمل أولاً داخل المدينة نفسها. هنا يُبنى السلام عبر تعزيز ثقافة بديلة للعنف، ومن خلال اللفتات اليومية، والمسارات التربوية، والخيارات العملية للعدالة.

تابع الأب الأقدس يقول نحن نعلم، في الواقع، أنه لا يوجد سلام بدون عدالة، وأن العدالة، لكي تكون حقيقية، لا يمكن أبداً فصلها عن المحبة. ومن هذا المنظور تنشأ وتتطور خبرات مثل بيت السلام، الذي يستقبل الأطفال والأمهات في صعوبة، وبيت برتيماوس، وهو مكان لمرافقة الشباب والبالغين الذين يعيشون حالات هشاشة: إنها علامات ملموسة لسلام يتجسد في الضيافة والعناية وفرص النهوض. كذلك، أنتم تلتزمون معاً، كجماعة كنسية ومدنية، بجعل نابولي منصة للحوار الثقافي والديني. ومن خلال المؤتمرات والجوائز الدولية ومسارات الاستقبال، بما في ذلك استقبال الشباب القادمين من مناطق النزاع – مثل غزة – يمكنكم الاستمرار في إعطاء صوت، من القاعدة، لثقافة السلام، ومواجهة منطق الصدام وقوة السلاح كحل مزعوم للنزاعات.

وفي هذا الصدد، أضاف الحبر الأعظم يقول تستمر نابولي في الكشف عن قلبها العميق من خلال استقبال المهاجرين واللاجئين، الذي يُعاش لا كحالة طوارئ بل كفرصة للقاء والإغتناء المتبادل. وهذا ممكن بفضل عمل منظمة كاريتاس الأبرشية، التي حولت ميناء نابولي من مجرد مكان للرسو إلى علامة حية للاستقبال والادماج والرجاء.

أيها الإخوة والأخوات، تابع الأب الأقدس يقول نابولي بحاجة إلى هذه الوثبة، إلى طاقة الخير الكاسحة، وإلى الشجاعة الإنجيلية التي تجعلنا قادرين على تجديد كل شيء. ليكن هذا التزام الجميع: تبنَّوه وامضوا به قدماً جميعاً معاً! افعلوا ذلك خاصة مع الشباب، الذين ليسوا مجرد متلقين بل هم رواد التغيير. لا يتعلق الأمر بمجرد إشراكهم، بل بمنحهم المساحة والثقة والمسؤولية، لكي يساهموا بشكل إبداعي في بناء الخير. وفي واقع غالباً ما يتسم بعدم الثقة وقلة الفرص، يمثل الشباب مورداً حياً ومدهشاً. وتثبت ذلك خبرة المتحف الأبرشي المنتشر، حيث يعمل الكثير منهم على حماية ورواية التراث الثقافي والروحي للمدينة بلغات جديدة وميسرة. ويثبت ذلك الشباب الذين يكرسون أنفسهم في مراكز الأنشطة الرعوية بشغف لتربية الصغار، ليصبحوا نقاط مرجعية موثوقة وشهوداً على علاقات سليمة. كما يثبت ذلك المتطوعون الكثر الذين يبذلون أنفسهم في خدمات المحبة والمبادرات الاجتماعية ومسارات مرافقة حالات الهشاشة.

وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول هذه الخبرات ليست هامشية، بل هي علامات ملموسة لكنيسة شابة ولمدينة قادرة على تجديد ذاتها. وأنا واثق من أنكم لن تتوانوا عن مواصلة تعزيزها بجرأة وشغف وحماس يميزكم. أشكركم، أيها الأعزاء، على الاستقبال، وأكلكم جميعاً إلى شفاعة مريم كليّة القداسة والقديس جنّارو. ليجعلكم الرب دائماً أمناء للإنجيل وليبارك مدينة نابولي!

08 مايو 2026, 18:38