رسالة البابا لاوُن الرابع عشر إلى مدينة روما والعالم بمناسبة عيد الفصح ٢٠٢٦
بمناسبة عيد الفصح المجيد أطل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر من على شرفة البازيليك الفاتيكانية كما هي العادة في كلِّ سنة ومنح بركته مدينة روما والعالم والغفران الكامل. وقبل البركة ألقى الأب الأقدس كلمة قال فيها أيها الإخوة والأخوات، المسيح قام! فصح مجيد! منذ قرون والكنيسة ترنم بابتهاج لهذا الحدث الذي هو أصل إيمانها وأساسه: "ربُّ الحياةِ كان ميتًا / لكنَّه الآنَ حيٌّ ينتصر. / نعم، إننا لعلى يقين: / المسيحُ حقًا قام. / أنتَ، أيها الملكُ المنتصر، / ارحمنا".
تابع الأب الأقدس يقول الفصح هو انتصار: انتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة، والمحبة على الكراهية. إنه انتصارٌ ثمنه غالٍ جداً: فالمسيح، ابن الله الحي، كان عليه أن يموت، ويموت على الصليب، بعد أن خضع لحكم جائر، وتعرّض للسخرية والتعذيب، وسفك دمه كله. وكحملٍ حقيقي ذبيح، حمل خطيئة العالم على عاتقه، وبذلك حررنا جميعاً، وحرر الخليقة معنا، من سلطان الشر.
أضاف الحبر الأعظم يقول ولكن كيف انتصر يسوع؟ ما هي القوة التي هزم بها الخصم القديم، أمير هذا العالم، مرة واحدة وإلى الأبد؟ ما هي القدرة التي قام بها من بين الأموات، لا ليعود إلى الحياة السابقة، بل ليدخل الحياة الأبدية ويفتح بجسده طريق العبور من هذا العالم إلى الآب؟ هذه القوة، وهذه القدرة، هي الله نفسه؛ الحب الذي يخلق ويولّد، الحب الأمين حتى النهاية، الحب الذي يغفر ويفتدي.
تابع الأب الأقدس يقول لقد خاض المسيح، "ملكنا المنتصر"، معركته وانتصر فيها من خلال الاستسلام الواثق لمشيئة الآب وتدبيره الخلاصي. وهكذا سلك حتى النهاية درب الحوار، لا بالكلمات بل بالأفعال: فلكي يجدنا نحن الضالين صار بشراً، ولكي يحررنا نحن العبيد صار عبداً، ولكي يعطي الحياة لنا نحن المائتين سمح بأن يُقتل على الصليب.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن القوة التي قام بها المسيح هي قوة غير عنيفة تماماً. هي تشبه قوة حبة القمح التي، بعد أن تموت في الأرض، تنمو وتشق طريقاً بين التربة، وتبرعم لتصبح سنبلة ذهبية. وهي تشبه أكثر قوة قلب بشري، جرحته الإساءة، فرفض غريزة الانتقام، وإذ امتلأ شفقةً، صلى من أجل من أساء إليه.
تابع الأب الأقدس يقول أيها الإخوة والأخوات، هذه هي القوة الحقيقية التي تحمل السلام للبشرية، لأنها تولد علاقات مبنية على الاحترام على كافة المستويات: بين الأشخاص، والعائلات، والمجموعات الاجتماعية، والأمم. فهي لا تهدف إلى المصلحة الخاصة، بل إلى الخير العام؛ ولا تريد أن تفرض مخططها، بل أن تساهم في تصميمه وتحقيقه بالتعاون مع الآخرين.
أضاف الحبر الأعظم يقول نعم، إن قيامة المسيح هي مبدأ الإنسانية الجديدة، هي الدخول إلى أرض الميعاد الحقيقية، حيث يسود العدل والحرية والسلام، وحيث يعترف الجميع بأنهم إخوة وأخوات، أبناء للآب الواحد الذي هو محبة وحياة ونور.
تابع الأب الأقدس يقول أيها الإخوة والأخوات، إن الرب بقيامته يضعنا بقوة أكبر أمام مأساة حريتنا. فأمام القبر الفارغ، يمكننا أن نمتلئ بالرجاء والدهشة مثل التلاميذ، أو بالخوف مثل الحراس والفريسيين الذين اضطروا للجوء إلى الكذب والمراوغة لكي لا يعترفوا بأن الذي حُكم عليه قد قام حقاً!
أضاف الحبر الأعظم يقول في ضوء الفصح، لنسمح للمسيح أن يُدهشنا! لنسمح لمحبتّه العظيمة لنا بأن تغيّر قلوبنا! من يحمل بيده سلاحًا فليضعه جانبًا! ومن يملك سلطة إشعال الحروب فليختر السلام! ليس سلاماً يُنشد بالقوة، بل بالحوار! ليس بإرادة السيطرة على الآخر، بل بلقائه!
تابع الأب الأقدس يقول نحن نعتاد على العنف، ونستسلم له ونصبح غير مبالين. غير مبالين بموت آلاف الأشخاص. غير مبالين بتبعات الكراهية والانقسام التي تزرعها النزاعات. غير مبالين بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج عنها والتي نشعر بها جميعاً. هناك "عولمة للامبالاة" تزداد وضوحاً، لأستشهد بتعبير عزيز على قلب البابا فرنسيس، الذي وجه للعالم من هذه الشرفة لسنة خلت كلماته الأخيرة، مذكراً إيانا: "كم نرى من رغبات في الموت كل يوم في النزاعات الكثيرة التي تطال أجزاءً مختلفة من العالم!".
أضاف الحبر الأعظم يقول إن صليب المسيح يذكرنا دائماً بالألم والعذاب اللذين يحيطان بالموت وبالفجيعة التي ينطوي عليها. جميعنا نخاف من الموت، ومن شدة الخوف ندير وجوهنا إلى الناحية الأخرى، ونفضل ألا ننظر. لا يمكننا أن نستمرَّ في اللامبالاة! ولا يمكننا أن نستسلم للشر! يعلّم القديس أوغسطينوس: "إذا كنت تخاف من الموت، فأحبب القيامة!". فلنحب نحن أيضاً القيامة، التي تذكرنا بأن الشر ليس الكلمة الأخيرة، لأن القائم من بين الأموات قد هزمه.
تابع الأب الأقدس يقول لقد عبر هو الموت لكي يعطينا الحياة والسلام: "السلام أستودعكم وسلامي أعطيكم. لا أعطي أنا كما يعطي العالم". إن السلام الذي يسلمنا إياه يسوع ليس هو السلام الذي يكتفي بإسكات الأسلحة، بل هو الذي يلمس ويغير قلب كل واحد منا! فلنعد إلى سلام المسيح! ولنجعل صرخة السلام النابعة من القلب تُسمع! ولهذا، أدعو الجميع للانضمام إليّ في عشيّة الصلاة من أجل السلام التي سنحتفل بها هنا في بازيليك القديس بطرس يوم السبت المقبل، ١١ نيسان أبريل.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول في يوم العيد هذا، لنتخلَّ عن كل رغبة في النزاع والسيطرة والسلطة، ولنتضرع إلى الرب لكي يمنح سلامه للعالم الذي أفجعته الحروب وطبعته الكراهية واللامبالاة التي تجعلنا نشعر بالعجز أمام الشر. نوكل إلى الرب جميع القلوب التي تتألَّم وتنتظر السلام الحقيقي الذي لا يستطيع إلا هو أن يعطيه. لنتَّكل عليه ولنفتح له قلوبنا! وحده هو الذي يجعل كل شيء جديداً! فصح مجيد!
