كلمة البابا إلى أعضاء محكمة الروتا الرومانية بمناسبة افتتاح السنة القضائية كلمة البابا إلى أعضاء محكمة الروتا الرومانية بمناسبة افتتاح السنة القضائية  (@Vatican Media)

كلمة البابا إلى أعضاء محكمة الروتا الرومانية بمناسبة افتتاح السنة القضائية

"أنتم مدعوون لحماية الحقيقة بصرامة ولكن بدون جمود، ولممارسة المحبة بدون تقصير. في هذا التوازن، الذي هو في الواقع وحدة عميقة، يجب أن تتجلى الحكمة القانونية المسيحية الحقيقية" هذا ما اقله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى أعضاء محكمة الروتا الرومانية بمناسبة افتتاح السنة القضائية

بمناسبة افتتاح السنة القضائية استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم الاثنين في القصر الرسولي بالفاتيكان أعضاء محكمة الروتا الرومانية الرسولية، وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة رحَّب بها بضيوفه وقال في لقائنا الأول هذا، أود أولاً وقبل كل شيء أن أعرب عن تقديري لعملكم، الذي يعد خدمة ثمينة للوظيفة القضائية العالمية المناطة بالبابا، والتي دعاكم الرب للمشاركة فيها.

تابع الأب الأقدس يقول أود اليوم أن أعود إلى موضوع أساسي كان مهيمناً في الخطابات الموجهة إلى محكمة الروتا الرومانية منذ بيوس الثاني عشر وحتى البابا فرنسيس. ويتعلق الأمر بعلاقة نشاطكم بالحقيقة المتأصلة في العدالة. في هذه المناسبة، أعتزم أن أقترح عليكم بعض التأملات حول الصلة الوثيقة القائمة بين حقيقة العدالة وفضيلة المحبة. فهما ليسا مبدأين متضادين، ولا قيمتين يجب موازنتهما وفق معايير نفعية بحتة، بل هما بُعدان مرتبطان جوهرياً، يجدان تناغمهما الأعمق في سر الله نفسه، الذي هو حب وحق.

أضاف الحبر الأعظم يقول إن هذا الارتباط يستلزم تفسيراً نقدياً مستمراً ودقيقاً، إذ غالباً ما ينشأ في ممارسة النشاط القضائي توتر جدلي بين متطلبات الحقيقة الموضوعية ومقتضيات المحبة. ويُلاحظ أحياناً خطر أن يؤدي التماهي المفرط في تقلبات المؤمنين - التي غالباً ما تكون مؤلمة - إلى نسبية خطيرة للحقيقة. ففي الواقع، إن الشفقة التي يُساء فهمها، وإن كانت مدفوعة ظاهرياً بغيرة راعوية، تخاطر بطمس البعد الضروري لإثبات الحقيقة الخاص بالوظيفة القضائية. ويمكن أن يحدث هذا، ليس فقط في دعاوى بطلان الزواج - حيث قد يؤدي إلى قرارات ذات صبغة راعوية تفتقر إلى أساس موضوعي صلب - بل أيضاً في أي نوع من الإجراءات، مما يضعف صرامتها وإنصافها. ومن ناحية أخرى، قد يحدث أحياناً تأكيد بارد ومنفصل للحقيقة لا يأخذ في عين الاعتبار كل ما تطلبه محبة الأشخاص، مع إغفال تلك الاهتمامات التي يمليها الاحترام والرحمة، والتي يجب أن تكون حاضرة في جميع مراحل المحاكمة.

تابع الأب الأقدس يقول عند النظر في العلاقة بين الحقيقة والمحبة، يأتي توجيه واضح من تعليم الرسول بولس الذي يحث قائلاً: "إذا عملنا للحق بالمحبة نمونا وتقدمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الذي هو الرأس، نحو المسيح". عاملين للحق بالمحبة: لا يتعلق الأمر فقط بالتكيف مع حقيقة نظرية، بل بـ "صنع الحقيقة"، أي الحقيقة التي يجب أن تنير كل عمل. ويجب أن يتم ذلك "في المحبة"، التي هي المحرك العظيم الذي يؤدي إلى إحقاق العدالة الحقيقية. وبعبارة بيبليّة أخرى، هذه المرة للقديس يوحنا، أنتم مدعوون لتكونوا "معاونين للحق". إن البابا بندكتس السادس عشر، الذي اختار هذه الكلمات كشعار أسقفي، سلط الضوء في رسالته العامة "المحبة في الحقيقة" على "الحاجة إلى الجمع بين المحبة والحقيقة ليس فقط في الاتجاه الذي رسمه القديس بولس "الحقيقة في المحبة"، ولكن أيضاً في الاتجاه العكسي والمتكامل "المحبة في الحقيقة". يجب أن نبحث عن الحقيقة ونجدها ونعبِّر عنها في "اقتصاد" المحبة، ولكن بدورها يجب أن تُفهم المحبة وتُثمن وتُمارس في ضوء الحقيقة". لذلك، ليكن عملكم مدفوعاً دائماً بتلك المحبة الحقيقية للقريب التي تنشد فوق كل شيء خلاصه الأبدي في المسيح وفي الكنيسة، وهو ما يستلزم التمسك بحقيقة الإنجيل. وهكذا نجد الأفق الذي يجب أن يوضع فيه كل النشاط القانوني الكنسي: خلاص النفوس كقانون أسمى في الكنيسة. وبهذه الطريقة، تكون خدمتكم لحقيقة العدالة مساهمة حب لخلاص النفوس.

أضاف الحبر الأعظم يقول في إطار "الحقيقة في المحبة"، يمكن صياغة جميع جوانب المحاكمات القانونية الكنسية. فأولاً، يجب أن يتسم عمل مختلف أطراف المحاكمة برغبة فعلية في المساهمة في تسليط الضوء على الحكم العادل الذي يجب التوصل إليه، بنزاهة فكرية صارمة وكفاءة فنية وضمير مستقيم. إن التطلع الدائم للجميع نحو الحقيقة هو ما يجعل مجمل نشاط المحاكم متناغماً بعمق، وفقاً للمفهوم المؤسساتي للمحاكمة الذي وصفه ببراعة المكرم بيوس الثاني عشر في خطابه للروتا عام ١٩٤٤. إن الهدف الذي يجمع جميع العاملين في المحاكم، كل في إطار أمانته لدوره، هو البحث عن الحقيقة، التي لا تقتصر على مجرد أداء مهني، بل تُفهم كتعبير مباشر عن المسؤولية الأخلاقية. وهذا ما تحفزه المحبة أولاً، مع معرفة كيفية تجاوز متطلبات العدالة المحضة لخدمة الخير المتكامل للأشخاص قدر الإمكان، بدون تحريف الوظيفة القضائية بل بممارستها بروح كنسية كاملة.

تابع الأب الأقدس يقول على خدمة الحقيقة في المحبة أن تتجلى في كل عمل من أعمال المحاكم الكنسية. ويجب أن يكون هذا مقدراً من قبل الجماعة الكنسيّة بأسرها، ولاسيما من المؤمنين المعنيين: من الذين يطلبون الحكم في اتحادهم الزوجي، ومن الذين يتهمون بارتكاب جرم كنسي، ومن الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا لظلم جسيم، والذين يطالبون بحق ما. على المحاكمات الكنسية أن تلهم تلك الثقة التي تأتي من الجدية المهنية، والعمل المكثف والدقيق، والتفاني المقتنع بما يمكن ويجب أن يُنظر إليه كدعوة مهنية حقيقية. للمؤمنين وللجماعة الكنسيّة بأسرها الحق في ممارسة صحيحة وفي الوقت المناسب للإجراءات القضائية، لأنها مسيرة تؤثر على الضمائر والحياة.

أضاف الحبر الأعظم يقول في هذا السياق، يجب إبراز الحقيقة، وبالتالي الخير والجمال، في جميع الوظائف والخدمات المرتبطة بالمحاكمات: عاملين للحق بالمحبة: يجب على جميع العاملين في القضاء التصرف وفقاً لأخلاقيات المهنة، التي يجب دراستها وممارستها بعناية في المجال الكنسي، والعمل على جعلها نموذجية حقاً. بهذا المعنى، يجب أن يتغلغل أسلوب مستوحى من أخلاقيات المهنة أيضاً في عمل المحامين عندما يساعدون المؤمنين في الدفاع عن حقوقهم، وحماية مصالح أطرافهم بدون تجاوز ما يمليه الضمير بأنه عادل ومتوافق مع القانون. إن المدعين العامين ومدافعي الارتباط هم ركائز في إقامة العدالة، ومدعوون بمهمتهم لحماية الخير العام. وإن أي نهج بيروقراطي بحت في دور بهذه الأهمية من شأنه أن يلحق ضرراً واضحاً بالبحث عن الحقيقة. إنَّ القضاة، المدعوون إلى المسؤولية الجسيمة لتحديد ما هو عادل، وهو الحق، لا يمكنهم التغاضي عن تذكر أن "العدالة تسير مع السلام وهي معه في علاقة مستمرة وديناميكية. إنَّ العدالة والسلام يهدفان إلى خير كل فرد والجميع، ولهذا يتطلبان النظام والحقيقة. عندما يتعرَّض أحدهما للتهديد، يترنح كلاهما؛ وعندما تُهان العدالة، يُعرض السلام أيضاً للخطر". وبتقييمه من هذا المنظور، يصبح القاضي صانع سلام يساهم في ترسيخ وحدة الكنيسة في المسيح.

تابع الأب الأقدس يقول المحاكمة ليست في حد ذاتها توتراً بين مصالح متضاربة، كما يُساء فهمها أحياناً، بل هي الأداة التي لا غنى عنها لتمييز الحقيقة والعدالة في الحالة المعروضة. وبالتالي، فإن الجدل في العملية القضائية هو أسلوب حواري للتأكد من الحق. إن واقعية الحالة تتطلب دائماً إثبات الوقائع ومقارنة الحجج والأدلة لصالح المواقف المختلفة، بناءً على افتراضات صحة الزواج وبراءة المتهم حتى يثبت العكس. وتشهد الخبرة القانونية المتراكمة على الدور الذي لا غنى عنه للمواجهة القضائية والأهمية الحاسمة لمرحلة التحقيق. وعلى القاضي، مع حفاظه على الاستقلال والحياد، أن يفصل في النزاع وفقاً للعناصر والحجج التي ظهرت في المحاكمة. إن عدم مراعاة هذه المبادئ الأساسية للعدالة - وتشجيع التفاوت غير المبرر في معالجة حالات مماثلة - يعد إصابة جسيمة للملف القانوني للشركة الكنسية.

أضاف الحبر الأعظم يقول يمكن تطبيق هذه الاعتبارات على كل مرحلة من مراحل المحاكمة وعلى كل نوع من القضايا القضائية. على سبيل المثال، في المحاكمة الأقصر لبطلان الزواج أمام الأسقف الأبرشي، يجب الحكم على طبيعة سبب البطلان الذي يبدو ظاهرياً بدقة بالغة، بدون نسيان أن المحاكمة نفسها المنفذة كما ينبغي هي التي يجب أن تؤكد وجود البطلان أو تحدد ضرورة اللجوء إلى المحاكمة العادية. ومن هنا يتضح أنه من الأساسي الاستمرار في دراسة وتطبيق القانون الكنسي للزواج بجدية علمية وأمانة للتعليم الكنسي. إن هذا العلم لا غنى عنه لحل القضايا وفق المعايير التي يحددها القانون واجتهادات محكمة الروتا الرومانية، والتي لا تفعل في معظم الحالات سوى إعلان مقتضيات القانون الطبيعي.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول أيها الأصدقاء الأعزاء، إن رسالتكم سامية ومتطلبة. أنتم مدعوون لحماية الحقيقة بصرامة ولكن بدون جمود، ولممارسة المحبة بدون تقصير. في هذا التوازن، الذي هو في الواقع وحدة عميقة، يجب أن تتجلى الحكمة القانونية المسيحية الحقيقية. أود أن أختتم هذه التأملات موكلاً عملكم لشفاعة العذراء مريم، "مرآة العدل"، النموذج الكامل للحقيقة في المحبة.

26 يناير 2026, 12:45