بحث

البابا: الكونسيستوار هو جماعة إيمان وليس فريقًا من الخبراء البابا: الكونسيستوار هو جماعة إيمان وليس فريقًا من الخبراء  (@VATICAN MEDIA)

البابا: الكونسيستوار هو جماعة إيمان وليس فريقًا من الخبراء

"إن "توقُّفنا" هذا، إذًا، هو قبل كل شيء فعل حب عظيم نسمح فيه للروح القدس بأن يصوغنا: أولاً في الصلاة والصمت، ثم أيضًا في تفرسنا بوجوه بعضنا البعض، وفي إصغائنا المتبادل، وفي أن نكون، من خلال المشاركة، صوتًا لجميع الذين أوكلهم الرب إلى عنايتنا كُرعاة في شتى أنحاء الأرض" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته مترئسًا القداس الإلهي مع الكرادلة في بازيليك القديس بطرس

في إطار الكونسيستوار الاستثنائي الذي دعا إليه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في ٧ و٨ من كانون الثاني يناير للصلاة والتأمل والمشاركة، لتقديم الدعم والمشورة للحبر الأعظم ترأس الحبر الأعظم عند الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم الخميس القداس الإلهي مع الكرادلة في بازيليك قديس بطرس وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ". تضع الليتورجيا أمامنا هذه الدعوة بينما نحتفل بهذا الكونسيستوار الاستثنائي: لحظة النعمة التي يتجلى فيها اتحادنا في خدمة الكنيسة. كما نعلم، فإن كلمة "كونسيستوار"، أي "جمعيّة"، يمكن قراءتها في ضوء جذر الفعل (consistere)، الذي يعني "التوقف". وبالفعل، لقد "توقفنا" جميعًا لنكون هنا: علّقنا نشاطاتنا لبعض الوقت، وتخلينا عن التزاماتنا، حتى تلك المهمّة، لنجتمع معًا لكي نميِّز ما يطلبه الرب منا من أجل خير شعبه. وهذا في حد ذاته بادرة ذات دلالة عميقة ونبوية، لا سيما في سياق المجتمع المحموم الذي نعيش فيه.

تابع البابا لاوُن الرابع عشر يقول إن هذا التجمع يذكرنا بأهمية التوقف في كل مسيرة حياة، لكي نصلّي ونصغي ونتأمّل ونعود بعدها لكي نركِّز النظر بشكل أفضل على الغاية، ونوجّه كل جهد ومورد نحوها؛ لئلا نخاطر بأن نعدو على غير هدى أو نلاكم كمن يلطم الريح، كما يحذر الرسول بولس. فنحن لسنا هنا للترويج لـ "أجندات" – شخصية كانت أم فئوية – وإنما لنضع مشاريعنا وإلهاماتنا تحت مجهر تمييزٍ يعلو علينا "كَمَا تعلو السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ"، تمييزٍ لا يأتي إلا من الرب.

أضاف الحبر الأعظم يقول لذلك، من الأهمية بمكان أن نضع الآن، في الإفخارستيا، كل رغباتنا وأفكارنا على المذبح، مع تقدمة حياتنا، ونرفعها إلى الآب بالاتحاد مع ذبيحة المسيح؛ لنستعيدها من لدنه مُنقَّاةً، مستنيرةً، منصهرةً، ومتحولةً بالنعمة إلى خبز واحد. بهذه الطريقة فقط، سنعرف حقًا كيف نصغي إلى صوته، ونقبله في عطية كوننا عطيّة لبعضنا البعض: وهو السبب الذي من أجله اجتمعنا.

تابع الأب الأقدس يقول إن مجمعنا، رغم غناه بالكفاءات والمواهب المرموقة، ليس مدعوًا في المقام الأول ليكون فريقًا من الخبراء، بل جماعة إيمان، تُقدّم فيها المواهب التي يحملها كل فرد إلى الرب، ثم يعيدها الرب إلينا لتؤتي، وفق تدبيره الإلهي، أقصى ثمارها. كذلك، فإن محبة الله التي نحن تلاميذها ورسلها هي محبة "ثالوثية" و"علاقية"، هي ينبوع "روحانية الشركة" التي تحيا بها عروس المسيح، وتريد أن تكون بيتاً ومدرسة لها. لقد وصفها القديس يوحنا بولس الثاني، متمنيًا نموها في فجر الألفية الثالثة، بأنها "نظرة القلب الموجهة نحو سر الثالوث الساكن فينا، والذي يجب استشفاف نوره أيضًا على وجوه الإخوة الذين بجانبنا".

أضاف الحبر الأعظم يقول إن "توقُّفنا" هذا، إذًا، هو قبل كل شيء فعل حب عظيم – لله، وللكنيسة، وللرجال والنساء في جميع أنحاء العالم – نسمح فيه للروح القدس بأن يصوغنا: أولاً في الصلاة والصمت، ثم أيضًا في تفرسنا بوجوه بعضنا البعض، وفي إصغائنا المتبادل، وفي أن نكون، من خلال المشاركة، صوتًا لجميع الذين أوكلهم الرب إلى عنايتنا كُرعاة في شتى أنحاء الأرض. إنه فعل يجب أن نعيشه بقلب متواضع وسخي، وإدراك بأننا هنا بفضل النعمة، وأنه ليس لدينا شيء مما نحمله لم نكن قد نلناه، كعطية وموهبة لا يجب إهدارها، بل استثمارها بفطنة وشجاعة.

تابع الأب الأقدس يقول لقد علّم القديس لاوُن الكبير أنَّه "أمرٌ عظيم وثمين جدًا أمام الرب أن يجتهد كل شعب المسيح معًا في الواجبات عينها، وأن تتعاون جميع الدرجات والرتب بروح واحدة [...]. حينئذٍ – كما قال – يُطعم الجياع، ويُكسى العراة، ويُزار المرضى، ولا يطلب أحد ما لنفسه، بل ما هو للآخرين". هذه هي الروح التي نريد أن نعمل بها معًا: روح من يرغب في أن يتعاون كل عضو في جسد المسيح السري بانتظام من أجل خير الجميع، مؤديًا خدمته بكرامة وملء تحت إرشاد الروح، سعيدًا بتقديم ثمار عمله ورؤيتها تنضج، كما يسعد بتلقي ثمار عمل الآخرين ورؤيتها تنمو.

أضاف الحبر الأعظم يقول منذ ألفي عام، تجسد الكنيسة هذا السر بجمالها المتعدد الوجوه. وهذا الجمع نفسه هو شهادة على ذلك، في تنوع الأصول والأعمار، وفي وحدة النعمة والإيمان التي تجمعنا وتؤاخينا. بالتأكيد نحن أيضًا، أمام "الجمع الغفير" لبشرية جائعة للخير والسلام، في عالم يستمر فيه الشبع والجوع، والوفرة والعوز، والصراع من أجل البقاء والفراغ الوجودي اليائس في تمزيق وجرح الأشخاص والأمم والجماعات؛ أمام كلمات المعلم: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا"، قد نشعر كما شعر التلاميذ: بالعجز والافتقار إلى الوسائل. لكن يسوع يعود ليكرر لنا: "كَمْ رَغِيفاً عِنْدَكُمُ؟ اذْهَبُوا وَانْظُرُوا"، وهذا ما يمكننا فعله معًا.

تابع الأب الأقدس يقول لن نتمكن في الواقع دائمًا من إيجاد حلول فورية للمشاكل التي نواجهها. ولكن، في كل زمان ومكان وظرف، سنتمكن دائمًا من مساعدة بعضنا البعض – وبشكل خاص مساعدة البابا – للعثور على "الأرغفة الخمسة والسمكتين" التي لا يبخل بها التدبير الإلهي أبدًا حيثما يطلب أبناؤه العون؛ ولنقبلها، ونسلمها، ونستلمها، ونوزعها، وقد اغتنت ببركة الله وبإيمان ومحبة الجميع، لكي لا يحتاج أحد إلى شيء. أيها الأعزاء، إن ما تقدمونه للكنيسة في خدمتكم، وعلى كافة المستويات، هو أمر عظيم وشخصي وعميق جدًّا، فريد لكل واحد منكم وثمين للجميع؛ والمسؤولية التي تشاركونها مع خليفة بطرس هي مسؤولية جسيمة ووقورة.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لذلك أشكركم من القلب، وأود أن أختم بتفويض أعمالنا ورسالتنا إلى الرب بكلمات القديس أوغسطينوس: "امنح صلواتنا نِعمًا كثيرة؛ فحتى تلك التي نلناها قبل أن نصلي هي عطية منك، والاعتراف بها بعد نيلها هو أيضًا عطية منك [...]. اذكر يا رب أننا تراب، ومن التراب جبلت الإنسان". ولذلك نقول لك: "أعطِ ما تأمر به، ومُر بما تشاء".

08 يناير 2026, 09:26