البابا يترأس صلاة الغروب عشية عيد القديسة مريم والدة الله
في أجواءٍ مشبعة بالصلاة والرجاء، ترأّس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صلاة الغروب الأولى في بازيليك القديس بطرس، عشية عيد القديسة مريم والدة الله، في ختام السنة المدنية، حيث ارتفع نشيد الـ Te Deum كترنيمة شكر على عطايا عامٍ انقضى تحت نظر العناية الإلهية. احتفالٌ ليتورجي فريد، تتقاطع فيه ذاكرة الميلاد مع عتبة الزمن، ويُسلَّم فيه ما كان وما هو آتٍ بين يدي "الذي كان، والكائن، والذي يأتي". وفي عظته، قاد الحبر الأعظم المؤمنين إلى تأمّل عميق في سرّ "ملء الزمان" وتدبير الله الخلاصي، واضعًا أمومة مريم الإلهية في قلب التاريخ البشري، كعلامة رجاء تتحدى منطق القوة والاستراتيجيات البشرية. ومن ضريح القديس بطرس، وفي قلب روما، أعاد البابا قراءة مسيرة السنة المنصرمة – ولا سيما في ختام زمن اليوبيل – كنشيد شكر جماعي، وصلاة من أجل عالمٍ أكثر تصالحًا، ومدينةٍ أمينة لدعوتها في خدمة "صغارها"، على مثال العذراء التي رأت التاريخ بنظرة الله.
قال البابا لاوُن الرابع عشر تتميز ليتورجية صلاة الغروب الأولى لعيد والدة الله بغنىً استثنائي، يستمد سحره من السرٍّ المذهل الذي تحتفل به، ومن موقعها في نهاية السنة الشمسية. إن أنتيفونات المزامير ونشيد "تعظم نفسي الرب" يُصرّون على ذاك الحدث المتناقض لإله يولد من عذراء؛ أو بعبارة أخرى: أمومة مريم الإلهية. وفي الوقت عينه، يغطّي هذا الاحتفال، الذي تُختتم به ثمانية الميلاد، لحظة العبور من عام إلى آخر، ويغمرها ببركة ذاك "الذي كان، والكائن، والذي يأتي". وفضلاً عن ذلك، نحتفل بها اليوم في ختام "اليوبيل"، في قلب روما، وعند ضريح القديس بطرس. لذا، فإن نشيد الشكر الذي سيتردّد صداه بعد قليل في هذه البازيليك، يريد أن يمتدّ ليعطي صوتًا لجميع القلوب والوجوه التي عبرت من تحت هذه الأقواس وفي دروب هذه المدينة.
لقد أصغينا في القراءة البيبلية إلى إحدى أروع خلاصات الرسول بولس: "فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي". إن هذا الأسلوب في عرض سرّ المسيح يجعلنا نتأمل في "تدبير"، تدبير عظيم للتاريخ البشري؛ تدبير غامض ولكن محوره واضح، كجبل شامخ تنيره الشمس في وسط غابة كثيفة: وهذا المحور هو "ملء الزمان".
تابع الأب الأقدس يقول وهذه الكلمة تحديداً – "التدبير" – يتردد صداها في نشيد الرسالة إلى أهل أفسس: "التَّدبيرِ الَّذي ارتَضى أَن يُعِدَّه في نَفْسِه مُنذُ القِدَم لِيَسيرَ بِالأَزمِنَةِ إِلى تَمامِها فيَجمعَ تَحتَ رأسٍ واحِدٍ هو المسيح كُلَّ شَيء ما في السَّمواتِ وما في الأَرْض". أيها الإخوة والأخوات، نشعر في زمننا هذا، بالحاجة الماسة إلى تدبير حكيم، محبّ، ورحيم. مشروعٍ حرٍّ ومحرّر، يسوده السلام والأمانة، تماماً كذاك الذي أعلنته العذراء مريم في نشيدها: "ورحمته من جيل إلى جيل للذين يتقونه". إلا أن العالم اليوم، كما في الأمس، تُحاصره تدابير من نوع آخر؛ هي بالأحرى "استراتيجيات" تهدف إلى غزو الأسواق والأراضي ومناطق النفوذ. استراتيجيات مُدججة بالسلاح، ومتسترة بخطابات ريائية، وشعارات أيديولوجية، وذرائع دينية زائفة.
أضاف الحبر الأعظم يقول ولكن والدة الله القديسة، أصغر الخلائق وأسماها، ترى الأمور بنظرة الله: ترى أن العليّ بقوة ذراعه يشتت مؤامرات المتكبرين، ويحطّ الأقوياء عن العروش ويرفع المتواضعين، يشبع الجياع خيراً ويصرف الأغنياء فارغين. إن أم يسوع هي المرأة التي كتب الله معها، في ملء الزمان، "الكلمة" التي تكشف السرّ. لم يفرضها فرضاً، بل عرضها أولاً على قلبها، ولما نال "نَعَمَها"، كتبها بحب لا يوصف في جسدها. وهكذا، تعانق رجاء الله مع رجاء مريم، سليلة إبراهيم بحسب الجسد، ولاسيما بحسب الإيمان. إن الله يحب أن يرجو بقلوب الصغار، ويفعل ذلك من خلال إشراكهم في تدبيره الخلاصي. وكلما كان التدبير أبهى، كان الرجاء أعظم. وفي الواقع، هكذا يمضي العالم قُدماً، يدفعه رجاء الكثير من الأشخاص البسطاء المجهولين – إلا عند الله – والذين يؤمنون رغم كل شيء بغدٍ أفضل، لأنهم يعلمون أن المستقبل بين يدَيْ ذاك الذي يمنحهم الرجاء الأكبر.
تابع الأب الأقدس يقول أحد هؤلاء كان سمعان، صياد من الجليل، دعاه يسوع "بطرس". لقد وهبه الله الآب إيماناً صريحاً وسخياً لدرجة أن الرب استطاع أن يبني عليه جماعته. وها نحن اليوم لا نزال هنا نصلي عند ضريحه، حيث يأتي الحجاج من كل حدب وصوب لكي يجددوا إيمانهم بيسوع المسيح ابن الله، وقد حدث هذا بشكل خاص خلال السنة المقدسة التي تشارف على الانتهاء. إن اليوبيل هو علامة كبرى لعالم جديد، متجدد ومُتصالح وفقاً لتدبير الله. وفي هذا التدبير، حفظت العناية الإلهية مكانة خاصة لمدينة روما؛ ليس لأمجادها ولا لقوتها، بل لأن بطرس وبولس والكثير من الشهداء سفكوا دماءهم هنا من أجل المسيح. لهذا السبب، روما هي مدينة اليوبيل.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول ماذا يمكننا أن نتمنى لروما؟ أن تكون على قدر تطلعات "صغارها"؛ من أطفال، ومسنين وحيدين وضعفاء، وعائلات تكافح من أجل لقمة العيش، ورجال ونساء أتوا من بعيد يحدوهم الرجاء في حياة كريمة. اليوم، أيها الأعزاء، نشكر الله على عطية اليوبيل، الذي كان علامة كبرى لتدبير الرجاء الذي رسمه للإنسان وللعالم. ونشكر كل الذين عملوا خلال شهور وأيام عام ٢٠٢٥ في خدمة الحجاج ومن أجل جعل روما أكثر ضيافة. لقد كانت هذه أمنية البابا الحبيب فرنسيس لسنة خلت. وأود أن تبقى هذه الأمنية قائمة، بل وأكثر من ذلك بعد هذا الزمن من النعمة: أن تبقى هذه المدينة، إذ يحركها الرجاء المسيحي، في خدمة تدبير الله المحب للعائلة البشرية. فلتنل لنا ذلك شفاعة والدة الله القديسة، "خلاص الشعب الروماني".
