بحث

المطران شفشوك: الحرية ليست أمرًا مسلّمًا به، صلّوا من أجل السلام في أوكرانيا المطران شفشوك: الحرية ليست أمرًا مسلّمًا به، صلّوا من أجل السلام في أوكرانيا   (UGCC Department of Information)

المطران شفشوك: الحرية ليست أمرًا مسلّمًا به، صلّوا من أجل السلام في أوكرانيا

في اليوم الذي تحتفل فيه أوكرانيا بذكرى مرور ٣٥ عاماً على الاستقلال، يتحدث المطران سفياتوسلاف شفشوك، رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية عن المعاناة التي ألحقتها الحرب بالسكان، ويوجه نداءً حاراً جديداً إلى جميع أمم العالم: "نحن بحاجة إلى تضامنكم".

بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال أوكرانيا، وفي ظل استمرار الحرب الروسية التي تدخل عامها الخامس، وجّه المطران سفياتوسلاف شفشوك، رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية، نداءً قويًا إلى العالم من أجل الصلاة والسلام والتضامن مع الشعب الأوكراني، مؤكدًا أن الحرية "ليست أمرًا مسلّمًا به"، وأن الدفاع عنها يتطلب مسؤولية يومية وشجاعة في اختيار الخير والحقيقة. وفي مقابلة مع وسائل إعلام الفاتيكان، تحدث غبطته عن الوضع المأساوي الذي تعيشه أوكرانيا، ولا سيما العاصمة كييف، التي تتعرض بصورة متزايدة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقال إن أفراد الكنيسة، بمن فيهم هو نفسه، أمضوا ليلة ٢٢ آب أغسطس في الملاجئ، كما حدث في الليالي السابقة، بسبب تزايد عدد الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تُطلق على المدن.

وأوضح المطران سفياتوسلاف شفشوك أن الأشهر الأخيرة تشهد تصاعدًا خطيرًا في أعداد الضحايا، مشيرًا إلى بيانات لجنة المراقبة التابعة للأمم المتحدة التي اعتبرت شهر تموز/يوليو ٢٠٢٦ أكثر أشهر الحرب دموية منذ شهر آذار/مارس ٢٠٢٢، وهو الشهر الذي شهد العدد الأكبر من الضحايا منذ بداية الحرب. ووفق الأرقام التي أوردها، قُتل في تموز ٤٣٧ مدنيًا وأصيب ٢٦١٠ آخرون، كما سُجل أعلى عدد من الأطفال القتلى والجرحى منذ شهر نيسان/أبريل ٢٠٢٢. ورأى رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية أن طبيعة الحرب تتغير بصورة متسارعة، إذ أصبحت أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والأسلحة المتطورة، فيما باتت المدن والسكان المدنيون هدفًا متزايدًا للهجمات. وأوضح أن الجمود النسبي على خطوط الجبهة، وصعوبة تحقيق تقدم عسكري كبير، يدفعان إلى تكثيف الضربات على المدن، بما يزيد معاناة المدنيين، معتبرًا أن كييف أصبحت الهدف الرئيسي. وأشار إلى أن بعض الخبراء يقارنون هذا الواقع بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين عجز الطرفان عن تحقيق حسم على الجبهة، فتحولت معاناة المدنيين إلى جزء من الحرب.

لكن المطران سفياتوسلاف شفشوك شدد على أن التطور التكنولوجي يطرح اليوم أسئلة أخلاقية غير مسبوقة. فالصواريخ والطائرات المسيّرة الحديثة لا تعتمد فقط على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، بل أصبحت مزودة بكاميرات تسمح للمشغّل برؤية ما يحدث لحظة بلحظة. وقال إن ذلك يجعل الحديث عن الضحايا المدنيين باعتبارهم "ضحايا عرضيين" أكثر صعوبة، لأن المشغّل قد يرى الأشخاص الذين يستهدفهم مباشرة. واستشهد بالهجوم الذي طال حافلة في مدينة خيرسون، حيث قُتل ركاب الحافلة وأشخاص كانوا في محيطها، معتبرًا أن استخدام التكنولوجيا بهذه الطريقة يطرح "مشكلة أخلاقية خطيرة جدًا". وأضاف أن الحرب لا تقتصر آثارها على الخسائر العسكرية، بل تسعى، بحسب قراءته، إلى استخدام الخوف والمعاناة والتعب الجسدي والروحي للمدنيين كوسيلة ضغط سياسي. وأكد أن استهداف المدنيين بهذه الطريقة يمثل انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي والقانون الأخلاقي الذي ينبغي أن يحكم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة.

وعن معنى احتفال أوكرانيا بمرور ٣٥ عامًا على استقلالها في ظل الحرب، قال المطران سفياتوسلاف شفشوك إن هذا اليوم يمثل قبل كل شيء مناسبة لشكر الله على "عطية الحرية"، التي تحميها الدولة المستقلة. وأوضح أن المنظور المسيحي لحب الوطن لا يمكن أن يتحول إلى تأليه للدولة، لأن الدولة، في مفهومه، هي أداة لخدمة الإنسان وحماية كرامته وحريته وحقه في الحياة والخير العام. كما شدد على أن حب الوطن لا يعني كراهية الشعوب الأخرى، بل يعني تحمل المسؤولية عن الشعب وخدمته. وقال إن ذكرى الاستقلال ينبغي أن تكون يومًا للصلاة والتأمل في كيفية الدفاع عن الحرية، ولكن أيضًا في كيفية بناء المستقبل بصورة إيجابية. وأضاف أن الوحدة الوطنية التي تتحدث عنها أوكرانيا اليوم ليست مجرد وحدة سياسية، بل هي وحدة حول قيم أساسية، من بينها كرامة الإنسان والحرية والسلام والخير العام. وأكد أن الأوكرانيين سيصلّون في يوم الاستقلال من أجل نهاية الحرب، لأن السلام، مثل الاستقلال، هو أيضًا عطية من الله، مشددًا على ضرورة أن تترافق الصلاة مع العمل من أجل إنقاذ الأرواح وخدمة الخير العام.

هذا وتحدث رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية عن علاقته الشخصية بمفهوم الحرية، مستعيدًا سنوات نشأته في ظل النظام الشيوعي السوفييتي، وبدايات تنشئته الكهنوتية في الإكليريكيات السرية. وقال إنه عاش بنفسه لحظة انهيار النظام الشيوعي الذي كان يسعى إلى السيطرة ليس فقط على المجتمع، بل أيضًا على أفكار الناس وإرادتهم. ومن خلال تلك التجربة، أدرك أن الحرية ليست مجرد واقع خارجي، بل هي قبل كل شيء "فئة روحية وأخلاقية". وأشار إلى أن المسيحيين الكاثوليك الذين عاشوا إيمانهم في السر خلال الحقبة السوفييتية كانوا، بحسب تعبيره، أكثر حرية من بعض قادة النظام، لأنهم حملوا في قلوبهم "حرية أبناء الله". وكانت قدرتهم على التفكير بصورة مختلفة عن الأيديولوجية المفروضة، واتخاذ القرارات وفق ضمير مسيحي، بمثابة مدرسة روحية للحرية. وبعد سقوط النظام الشيوعي، قال المطران سفياتوسلاف شفشوك إن الكنيسة استطاعت أن تنقل هذه الحرية الداخلية إلى المجتمع المدني، وأن تكون "خميرة" في بناء المجتمع الأوكراني الجديد، والمساهمة في انتقال البلاد من واقع ما بعد الشيوعية والاستعمار السوفييتي إلى مجتمع ديمقراطي. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا المسار "لن يكون أبدًا أمرًا تمَّ تحقيقه مرة واحدة وإلى الأبد"، لأن الحرية تحتاج إلى أن تُثبت وتُمارس كل يوم.

وفي رؤيته اللاهوتية، أوضح المطران سفياتوسلاف شفشوك أن مفهوم الحرية في التقليد الروحي واللاهوتي البيزنطي أعمق من مجرد "حرية الإرادة". فالإنسان يمتلك القدرة على الاختيار، لكن الحرية الحقيقية تتحقق عندما يختار الخير والحقيقة. وقال إن الاختيار الصحيح، القائم على القيم الأساسية والخير، يحوّل القدرة على الاختيار إلى "اختبار حقيقي للحرية". ومن هنا، فإن مساعدة الإنسان على اتخاذ الخيارات الصحيحة هي جزء من الطريق نحو الحرية الأصيلة. وشدد على أن الحرية ليست انفلاتًا ولا فوضى ولا أنانية، بل ترتبط دائمًا بالمسؤولية وبخير الآخرين والخير العام. ورأى أن هذه الحقيقة تظهر بصورة مؤثرة في تجربة الجنود الأوكرانيين الذين وقعوا أسرى لدى القوات الروسية وتعرضوا للتعذيب. وأشار إلى أن بعضهم قال بعد التحرير إنه شعر بأنه أكثر حرية وهو مقيد اليدين من أولئك الذين كانوا يعذبونه، لأن هؤلاء، بحسب وصفه، كانوا أسرى للخوف وللأوامر وللأنظمة الفكرية التي فُرضت عليهم. أما الأسرى الأوكرانيون، فكانوا يشعرون بحرية داخلية لأنهم اتخذوا قرارًا اعتبروه صحيحًا، قائمًا على الحقيقة وعلى الدفاع عن حياة الناس.

وانطلاقًا من الخبرة الأوكرانية، وجّه رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية رسالة إلى العالم الذي يشهد، بحسب تعبيره، أزمة في القيم الديمقراطية وتصاعد النزعات السلطوية في أماكن مختلفة. وقال: "لا تتعبوا من أن تكونوا أحرارًا". وربط أزمة الديمقراطية بأزمة أخرى تتمثل في التهرب من المسؤولية. ففي رأيه، يسعى كثيرون إلى إلقاء مسؤولياتهم على الآخرين، أو البحث عن شخص قوي، سياسي أو مستبد، يتولى التفكير والقرار بدلًا منهم. ووصف هذا السلوك بأنه نوع من "الطفولية"، لأن الإنسان يتصرف وكأن الآخرين هم المسؤولون عن بناء مستقبله. وحذر من أن الهروب من المسؤولية أصبح، في نظره، أحد أكبر جراح الديمقراطيات الحديثة.

وفي هذا السياق، أشار المطران سفياتوسلاف شفشوك إلى دور الكنيسة في الدفاع عن القيم الديمقراطية انطلاقًا من إيمانها بكرامة كل إنسان. وقال إن الكنيسة تحاول حماية الإنسان من أشكال "نزع الإنسانية" في الثقافة المعاصرة، بما في ذلك التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي وشدد على أن لا أحد ينبغي أن يمتلك الحق في سرقة أحلام الآخرين وآمالهم من أجل مستقبله الخاص، لأن الإنسان مدعو إلى أن يكون هو نفسه باني حياته ومستقبله. وأكد مجددًا: "لا تخافوا من أن تكونوا أحرارًا"، لأن الحرية قد تتطلب الدفاع عنها، ومن لا يقبل مسؤولية أن يعيش حرًا لا يقدّر قيمة هذه العطية.

وفي حديثه عن الرسالة التي يمكن أن تحملها أوكرانيا إلى الكنيسة والعالم، قال رئيس أساقفة كنيسة الروم الكاثوليك الأوكرانية إن "أسمى تعبير عن الحرية هو قدرة الإنسان على المحبة"، أي محبة الله ومحبة القريب. وأوضح أن الحفاظ على وحدة المجتمع الأوكراني، في ظل الحرب، لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، بل يحتاج إلى الرحمة والتعاطف مع المتألمين، والقدرة على مسامحة من يخطئون، والاستعداد لفعل الخير للآخرين. وأكد أن الحرية تبلغ ذروتها عندما تتحول إلى محبة، لأن الإنسان يكون أكثر حرية عندما يستطيع أن يخرج من ذاته ويلتقي بالله وبالقريب.

وفي ختام المقابلة، وجّه المطران سفياتوسلاف شفشوك الشكر إلى جميع الذين سينضمون إلى الشعب الأوكراني في الصلاة يوم ٢٤ آب، مشيرًا إلى أن المجلس الأوكراني لعموم الكنائس والمنظمات الدينية وجّه نداءً إلى مجلس الكنائس العالمي، كما وجّه رسالة إلى البابا لاوُن الرابع عشر وإلى جميع أصحاب الإرادة الصالحة، لكي يكون يوم الاستقلال يومًا للصلاة من أجل السلام في أوكرانيا. وأوضح أن رؤساء الكنائس والمنظمات الدينية في أوكرانيا سيجتمعون في كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف، إحدى أقدم الكاتدرائيات في أوروبا الشرقية، للصلاة من أجل السلام أمام فسيفساء "مريم المصلّية" التي تعود إلى القرن الحادي عشر. وفي ختام ندائه، قال إن الشعب الأوكراني يحتاج إلى تضامن العالم ووحدته، ليس في الصلاة فقط، بل أيضًا في العمل الإنساني، معتبرًا أن مساعدة المتألمين وإنقاذ الأرواح يمثلان اليوم طريقًا ملموسًا للتعبير عن محبة الله والقريب.

24 أغسطس 2026, 13:21