الكاردينال كوبتش: مهاجمة دولة ذات سيادة من دون تهديد فوري هو أمرٌ مثير للجدل
حذّر رئيس أساقفة شيكاغو الكاردينال بلايز كوبتش من مخاطر التصعيد العسكري في العالم، مؤكداً أن اللجوء إلى الحرب لحل النزاعات قد يفتح باباً يصعب إغلاقه، ويقود إلى دوامة عنف قد تخرج بسرعة عن السيطرة. وفي مقابلة واسعة مع وسائل إعلام الفاتيكان، دعا إلى التزام مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول، مشدداً على أن مهاجمة دولة ذات سيادة من دون وجود تهديد فوري هو أمر مثير للجدل.
في ظل التوترات الدولية المتزايدة، وخاصة بعد الضربات المشتركة الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت طهران وعدداً من المدن الإيرانية في ٢٨ شباط فبراير، وما تلاها من رد إيراني استهدف مطارات وموانئ ومنشآت مدنية في مدن خليجية مثل الدوحة والمنامة والكويت، شدد الكاردينال كوبتش على أهمية صوت البابا لاوُن الرابع عشر في الدعوة إلى السلام. وأشار إلى أن البابا، خلال صلاة التبشير الملائكي في الأول من آذار مارس، وجّه نداءً قوياً إلى جميع الأطراف لتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية ووقف دوامة العنف قبل أن تتحول إلى كارثة كبرى. ويرى كوبتش أن البابا يذكّر العالم بالمبادئ التي اتفقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية لمعالجة النزاعات عبر المؤسسات الدولية مثل الأمم المتّحدة، وفي مقدمتها احترام حقوق الإنسان وسيادة الدول والبحث عن حلول دبلوماسية للنزاعات.
وأوضح رئيس أساقفة شيكاغو أن القلق يزداد في ظل الأوضاع الحالية، إذ يشعر كثير من الناس بالخوف وعدم اليقين بشأن ما قد يحدث لاحقاً. ولفت إلى أن حوالي ألف شخص قُتلوا في العمليات الأخيرة المرتبطة بالتصعيد مع إيران، معتبراً أن الاعتماد على السلاح كوسيلة لحل المشاكل يقود إلى طريق يصعب الرجوع عنه. وأشار إلى أنه مع الكاردينالين الأميركيين جوزيف توبين وروبيرت ماكلروي قد أصدر بياناً في وقت سابق حذروا فيه من مخاطر التوجهات العسكرية في السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بغرينلاند وفنزويلا. وقد توقعوا آنذاك أن تتفاقم الأزمات إذا لم يتغير المسار.
ورداً على من يرى أن الحرب باتت وسيلة "طبيعية" لحل النزاعات الدولية، ذكّر كوبتش بدروس التاريخ، مستشهداً ببداية الحرب العالمية الأولى التي اندلعت بعد اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو. فقد ظنّ الإمبراطور فرانز جوزيف الأول أن إعلان الحرب سيكون حلاً سريعاً للأزمة، لكن النتيجة كانت سنوات من الصراع الدموي وملايين الضحايا. وقال إن فتح باب الحرب سهل، لكن إغلاقه شديد الصعوبة. وبشأن شرعية شن هجمات عسكرية، اعتبر الكاردينال أن ذلك يصبح محل شك كبير عندما لا يكون هناك تهديد فوري يجب تحييده. وأضاف أنه، بحسب ما هو معروف، لم يكن هناك تهديد عاجل يبرر الهجمات الأخيرة، خصوصاً بعدما قيل إن القدرات النووية الإيرانية قد جرى تحييدها قبل أشهر. وأكد أن احترام سيادة الدول هو مبدأ أساسي يجب الحفاظ عليه، مشيراً أيضاً إلى الحرب في أوكرانيا كمثال على خطورة انتهاك هذا المبدأ، لأن تآكل احترام السيادة يفتح الباب لأي دولة لتبرير إعلان الحرب. وأوضح أن الكنيسة الكاثوليكية، من خلال شبكتها الدبلوماسية حول العالم، تسعى إلى تعزيز الجهود السلمية وتوفير معلومات مباشرة تساعد على فهم الواقع. وذكّر بأن البابا قد حذّر في خطابه إلى السلك الدبلوماسي في ٩ كانون الثاني يناير من خطر "النسبية" التي تجعل الحقيقة مجرد رأي. وقال إن مهمة الكرسي الرسولي هي التذكير بالحقيقة والدعوة إلى عدم الانجرار وراء التضليل أو الأخبار الزائفة.
وفي ما يتعلق بالانقسام داخل المجتمع الأميركي وحتى داخل الكنيسة، رأى كوبتش أن دور الكنيسة يتمثل في مساعدة الناس على فهم ما يحدث وتقديم لغة أخلاقية تساعدهم على قراءة الأحداث بعيداً عن الهجمات الشخصية أو الخطابات الحزبية. فالتقدم، بحسب رأيه، ممكن عندما يفهم الناس ما هو على المحك عندما تُهمل المبادئ التي يقوم عليها الخير العام. كذلك تطرق الكاردينال أيضاً إلى سياسات الهجرة في الولايات المتحدة، مؤكداً أن الكنيسة رفعت صوتها دفاعاً عن المهاجرين لأن احترام الكرامة الإنسانية هو المبدأ الأساسي. وانتقد الإجراءات التي تؤدي إلى تفكيك العائلات أو استخدام لغة مهينة بحق أشخاص عاشوا سنوات طويلة في البلاد وساهموا في المجتمع. وأشار إلى أن مجلس الأساقفة الأميركيين عبّر في بيان سابق عن رفضه لعمليات الترحيل الجماعي غير التمييزية، مؤكداً أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب إصلاح شامل لقوانين الهجرة.
هذا وشدد كوبتش على أن حماية الحدود حق مشروع للدول، لكن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب كرامة الإنسان. وبرأيه يمكن التوفيق بين احترام القانون وضمان حقوق الأشخاص، كما حدث في مراحل سابقة، مؤكداً أن السياسات الحالية خلقت مناخ خوف وانقسامات اجتماعية في بعض الولايات. ودعا الكاثوليك إلى عدم السماح بتوظيف الإيمان لخدمة أجندات سياسية حزبية. فالكنيسة، كما قال، يجب أن تنطلق من قيم الإنجيل لا من لغة السياسة أو البرامج الحكومية. ومهمة الأساقفة هي مساعدة المؤمنين على النظر إلى القضايا العامة في ضوء رسالة الإنجيل.
وتحدث الكاردينال أيضاً عن فخر مدينة شيكاغو بانتخاب البابا لاوُن الرابع عشر، الذي وُلد فيها وتأثر بثقافتها المتعددة. وأشار إلى أن المدينة تحتفل بالقداس بـ ٢٦ لغة مختلفة، وهو ما يعكس البعد العالمي الذي يميز شخصية البابا. وقد شهدت المدينة احتفالاً كبيراً في ملعب فريق Chicago White Sox في ١٤ حزيران يونيو، حضره آلاف الأشخاص، بعضهم من غير الكاثوليك، تعبيراً عن اعتزازهم بانتخاب البابا. كما لاحظت الأبرشية زيادة بنحو ٢٠% في عدد الشباب الذين انضموا إلى الكنيسة أو طلبوا المعمودية أو الدخول في شركة كاملة معها، وهو ما يراه الكاردينال علامة على تأثير انتخاب البابا وعمل الروح القدس.
وفي ختام المقابلة، دعا كوبتش المسيحيين إلى البقاء أمناء للإنجيل في زمن الاضطرابات العالمية، مؤكداً أن رسالة المسيح يجب أن تكون النور الذي يهدي القرارات، لا السياسات الحزبية أو البرامج الوطنية. وأضاف أن الكنيسة يمكن أن تؤثر في مسار العالم فقط عندما تبقى وفية لقيم الإنجيل التي تعلن الحقيقة وتدافع عن كرامة الإنسان والسلام بين الشعوب.