عيد الميلاد في بيت لحم... بيتسابالا: السلام لا يتحقق إلا بلقاء القلوب المُستعدة
شهدت الكنيسة حضوراً لافتاً ضم أكثر من مائة كاهن وأسقف، حيث استعادت بيت لحم زخمها الروحي بحشود لم ترَ المدينة مثيلاً لها منذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٣. ولم تغب غزة عن فكر الكاردينال بيتسابالا، الذي تذكّر في عظته مشاهد الدمار التي عاينها بنفسه خلال زيارته الأخيرة لرعية العائلة المقدسة، حيث لا يزال حوالي ٤٠٠ شخص يلوذون بالكنيسة بانتظار إعمار ما دمرته الحرب. وعن إعادة الإعمار، قال البطريرك: "إن المعاناة لا تزال جاثمة فوق صدور أهلنا في غزة، فالعائلات تعيش وسط الأنقاض، والمستقبل يلفه الغموض والهشاشة، والجروح غائرة في النفوس". ومع ذلك، أشاد الكاردينال بصمود أهل غزة، مؤكداً أن هذه الأوضاع المأساوية "ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج خيارات سياسية ومسؤوليات بشرية، وقرارات فضّلت مصالح القلة على حقوق الجميع".
لقد تركت سنوات الحرب أثراً عميقاً في حياة الفلسطينيين، لاسيما الفئات الأكثر ضعفاً؛ حيث تدهورت أحوال العائلات جراء فقدان الوظائف، وتوقف حركة الحجاج، وانعدام الأمن، وتقييد الحركة عبر الحواجز العسكرية، مما ولّد شعوراً بالأسر داخل الوطن. ومع ذلك، شدد البطريرك على أن "الميلاد يدعونا للتطلع إلى ما وراء منطق السيطرة، لنعيد اكتشاف قوة الحب والتضامن والعدالة". واستشهد بقصة يوسف ومريم اللذين واجها الضعف والارتحال في تاريخ لم يصنعاه، ليولد يسوع في "ليل البشرية" وسط الخوف والشك، وليكون نوراً يبدد الظلمات ويواجه القوى المتسلطة.
وفي ساحة المهد، كان توق بيت لحم للسلام ملموساً طوال اليوم، حيث غمرت البهجة وجوه الأهالي وهم يحتفلون بالعيد في شوارع المدينة على إيقاع الطبول والفرق الموسيقية التي صاحبت موكب الكاردينال في أزقة البلدة القديمة. هذه الفرحة التي التمسها البطريرك وهو يحيي الحشود، تحولت في عظته إلى نداء للمسؤولية، إذ قال: "إن السلام لا يصبح واقعاً إلا إذا وجد قلوباً مستعدة لاستقباله، وأيدٍ مُستعدّة لحمايته". وأشار الكاردينال إلى أن الأرض المقدسة، التي تعد ملتقى للشعوب والأديان — كما يجسده تجاور المسجد وكنيسة المهد — هي أيضاً مسرح لصراعات تستدعي "مسؤولية القادة المحليين والمجتمع الدولي، بل والقيادات الدينية والأخلاقية أيضاً". وأضاف: "كل مبادرة للمصالحة، وكل كلمة ترفض تغذية الكراهية، وكل خيار يضع كرامة الآخر في المركز، يصبح موضعاً يتجسد فيه سلام الله". وهكذا ينتقل نور بيت لحم من قلب إلى قلب، عبر لفتات بسيطة وكلمات مصالحة، بفضل رجال ونساء يجسدون قيم الإنجيل في حياتهم اليومية.
ومنذ ساعات الظهيرة، ومع وصول البطريرك وتحيته للحشود التي عادت إليها بهجة الميلاد بعد عامين من الاحتفالات المقتضبة، ارتدت المدينة المقدسة حلة العيد؛ فأنارت المصابيح الشوارع مع غروب الشمس، وتزينت جدران الكنيسة بعروض ضوئية، وأضاءت شجرة الميلاد الكبرى في الساحة، محتضنة مغارة الميلاد تحت أغصانها. واكتمل المشهد بأسواق الميلاد التي جمعت العائلات والأطفال، مسيحيين ومسلمين، ليعمّ السلام أرجاء بيت لحم في ليلتها المباركة.